" وكان أبي قد قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا: عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل أنا أقتلك إن شاء الله " "
فأصدق الله قول نبيه صلى الله عليه وسلم.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان؟! وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان قد قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم؛ إن كان محمد قد قتل؛ فإن رب محمد حي لم يقتل وهو الله عز وجل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقاتلوا على ما قاتل عليه؛ وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء القوم - يعني المسلمين - وأبرأ مما جاء به هؤلاء المنافقون. ثم حمل سيفه فقاتل حتى قتل.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، وأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك، قال: عرفت عينه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين؛ أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار إلي: أن اسكت، فانحازت الطائفة إليه من أصحابه فلامهم على الفرار، فقالوا: يا رسول الله؛ أتانا الخبر بأنك قتلت؛ فرغبت قلوبنا فولينا مدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾.
أكرم الله محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم اشتق من اسمه المحمود، فسماه محمدا وأحمد، وفيه يقول حسان:
ألم تر أن الله أرسل عبده
ببرهانه والله أعلا وأمجد
شق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعد يأس وفترة
من الدين والأوثان في الأرض تعبد
فأرسله نورا منيرا وهاديا
يلوح كما لاح الصقيل المهند
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إذا سميتم محمدا فأكرموه ووسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها، وما من قوم كانت لهم مشورة؛ فحضر معهم من اسمه محمد وأحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خار الله لهم، وما من يد وضعت مخصرها من كان اسمه محمدا وأحمدا إلا قرس في كل يوم ذلك المنزل مرتين "
قوله تعالى: ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ معناه: أفإن مات على فراشه، أو قتل في طاعة الله رجعتم إلى دينكم الأول وقلتم: إن كان نبيا لما قتل.
قوله تعالى: ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ﴾؛ أي من يرجع إلى دينه الشرك فلن ينقص من ملك الله شيئا ومن سلطانه، وإنما يضر نفسه، ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾؛ أي المؤمنين المجاهدين، وإنما سمي الإرتداد انقلابا على العقب؛ لأن الردة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب على القهقري أقبح ما يكون من المشي. ويسمى المطيع شاكرا؛ لأن الطاعات كلها شكر لله عز وجل.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر رضي الله عنه وقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، وإن رسول الله لم يمت، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حين بلغه الخبر؛ فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بردة؛ فكشف عن وجهه ثم انكب عليه فقبله؛ وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم رد الثوب على وجهه وخرج، فإذا هو بعمر يكلم الناس، فقال له: على رسلك يا عمر؛ أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت؛ أقبل على الناس؛ فحمد الله وأثنى عليه؛ وقال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ قال عمر: ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها إلا عقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي؛ وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات).