[الزمر: 23] أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والتصديق.
قوله عز وجل: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ﴾؛ معناه: ﴿ فأما الذين في قلوبهم ﴾ ميل عن الحق والهدى وهم اليهود فيتبعون ما اشتبه عليهم من أمر الحروف المقطعة، يحسبون ذلك بحساب الجمل ﴿ ابتغاء الفتنة ﴾؛ أي طلب الكفر والشرك، ﴿ وابتغاء تأويله ﴾ في طلب تفسير منتهى ما كتب الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من المدة ليرجع الملك إلى اليهود، ﴿ وما يعلم ﴾ تفسير ما كتب الله لهذه الأمة ﴿ إلا الله ﴾.
وقال الربيع: (
" إن هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح؛ فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: " بلى " قالوا: حسنا "
، فأنزل الله هذه الآية).
وقال ابن جريج: (الذين في قلوبهم زيغ؛ أي شك وهم المنافقون). وقال الحسن: (هم الخوارج)، وقال بعضهم: جميع المبتدعة، أعاذنا الله من البدعة.
ومعنى الآية: أن النصارى صرفوا كلمة الله إلى ما يقولون من قدم عيسى مع الله عز وجل، وصرفوا قوله
وروح منه
[النساء: 171] إلى أنه جزء منه كروح الإنسان، وإنما أراد الله تعالى بقوله
وكلمته
[النساء: 171] أن الله تعالى إنما صيره بكلمة منه وهي قوله
كن
[البقرة: 117] فكان، وسماه روحه لأنه خلقه من غير أب، بل أمر جبريل فنفخ في جيب مريم عليها السلام؛ فهو روح من الله أضافه إلى نفسه تشريفا له، كبيت الله وأرض الله.
وقيل: سماه روحا؛ لأنه كان يحيي الموتى، كما سمى القرآن روحا من حيث إن فيه حياة الناس في أمر دينهم، قال الله تعالى
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52] فصرف أهل الزيغ قوله تعالى
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
[النساء: 171] إلى مذاهبهم الفاسدة طلب الكفر والضلال، ولم يردوا هذا اللفظ الذي اشتبه عليهم وشبهوه على أنفسهم إلى الآية المحكمة؛ وهو قوله عز وجل:
إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب
[آل عمران: 59] فعلى هذا يكون: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ أي ما يعلم تأويل جميع المتشابه حتى يستوعب علم المتشابهات إلا الله.
واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية، فقال قوم (الواو) في قوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ ، واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم، وهم مع علمهم: ﴿ يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾؛ والمعنى والثابتون في العلم يعلمون تأويل ما نصب الله لهم الدلالة عليه إلى المتشابه وبعلمهم يقولون: ربنا آمنا به، فروي عن أبن عباس: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ﴾ يعلمونه قائلين: آمنا به).
ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله ﴿ إلا الله ﴾. وفي قراءة ابن مسعود آمنا (يقول الراسخون في العلم آمنا به) وهو مروي أيضا عن ابن عباس.
ولا يبعد أن يكون للقرآن تأويل ليستأثر الله بعلمه دون خلقه؛ لأنا لا نعلم مراد الله وحكمته في جميع أوامره ونواهيه؛ غير أنه ألزمنا العمل بما أنزله ولم يطالبنا بما لا سبيل لنا إلى معرفته، ولم يخف عنا علم ما غاب عنا، مثل قيام الساعة وغير ذلك إلا لما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا، وما علمناه فلم يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا فنعرف بصحة جميع ما أنزل الله؛ والتصديق بذلك كله ما علمنا منه وما لم نعلم.
وكان ابن عباس يقول: (أنا من الراسخين في العلم). وقرأ مجاهد هذه الآية؛ فقال: (أنا ممن يعلم تأويله). وروى عكرمة عن ابن عباس؛ قال: (كل القرآن أعلم تأويله إلا أربعا (غسلين) و (حنانا) و (الأواه) و (الرقيم)). وهذا إنما قاله ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسرها.
وممن اختار تمام الكلام عند قوله ﴿ إلا الله ﴾ واستئناف الكلام بقوله ﴿ والراسخون ﴾: عائشة وعروة بن الزبير ورواية طاووس عن ابن عباس كذلك أيضا؛ واختاره الكسائي والفراء ومحمد بن جرير؛ وقالوا: (إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به). والآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أجل هذه الأمة؛ ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا؛ ووقت طلوع الشمس من مغربها؛ ونزول عيسى؛ وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج؛ وعلم الروح ونحوها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.