تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موطدة، وآمال بسعيه معلقة، وأحزان عليه صادقة، وألسنة بإطرائه ناطقة، دلت

على أن المستقبل الذي أمامه كان عظيما، وأنه كان قوميا عاما، لا وطنيا خاصا.

كان لفيصل كثير من أخلاق الزعامة والرياسة، وشمائل السياسة والكياسة،

كالسخاء والنجدة، والحلم الواسع، والصبر على المكاره، وقوة الأمل، والدهاء

والمكر، وكان جذابا خلابا، عذبا سائغا، هينا لينا، سهلا متواضعا، سريع

الغضبة سريع الفيئة، لا ييأس ولا يوئس مخالطه منه، وكل أولئك من أخلاق

الزعامة والرياسة، وما كان يخلو من بعض الصفات القاطعات لطريقها، والمانعات

لتحقيقها، منها مبالغته في المواتاة لكل معاشريه والاستجابة لمطالبهم المتناقضة،

ومساعدتهم على الأعمال المتعارضة، ومنها أنه كان على شدة صراحته يكاد يتعذر

على أقرب الناس إليه أن يعرف كنه سريرته، ويثق بإصراره على رأيه، وثباته

على ما يبديه له منه. هكذا كان عهدي به في دمشق.

ولولا ما أوتي من المرونة والحلم، والحرية واللطف، والاعتبار بالحوادث،

وممارسة الكوارث، وتربية نفسه بها، والارتياح إلى إعطاء كل ذي حق حقه فيها

لكان الخوف عليه أكبر من الرجاء فيه، وبهذا فضل والده وأخاه الذين سبقاه إلى

التفكير في القضية العربية، والخروج على الدولة العثمانية من قبل أن يتاح لهما

القيام بإعلان الثورة، ويفتح لها باب الرجاء في سيادة الأمة.

ليس من مذهب المنار تدوين وقائع التاريخ، ولا من مشربه سرد المناقب

والمثالب، وإنما صاحبه قرآني يبحث عن العبرة، ويجليها في قالب الحكمة

والموعظة الحسنة، وقد علم الذين تتبعوا ما كتبت في المسألة العربية، والواقفون

على الكثير من عملي فيها بالمشاركة أو بالمعاشرة، أنني اشتغلت مع هؤلاء الثلاثة

فيها اشتغال تجربة لهم؛ لوجودهم في الميدان، لا اشتغال واثق بهم، وإن التجارب

أسفرت عن خيبة الأمل في كل منهم، واعتقاد أنهم مستسلمون للسياسة البريطانية،

التي أعتقد أنها موجهة إلى القضاء الأبدي على الأمة العربية، وعلى تجديد مجد

الإسلام أيضا.

ثم تجدد لي أمل في إمكان الانتفاع بدهاء الملك فيصل وحنكته ومركزه العظيم

في إنعاش سورية التي تتردى في مهاوي الهلكة بشدة شنآن فرنسة للإسلام وسياستها

المستعجلة المتهورة في ذلك، التي لا تقبل هوادة، ولا يتخلل حملاتها العنيفة فترة

ولا هدنة، ولا تخفف شدتها رأفة ولا رحمة.

تجدد عندي هذا الأمل في العام الماضي وأظهرته في هذه العام، فعلمت أنه

جدير بأن يكون رجاء لا تمنيا، وأن تكون دائرته أوسع من سورية، وأن مودة

فيصل للدولة البريطانية لا تحول دون الانتفاع به فيما ينأى بخطرها الذي يخشاه

العرب قليلا، أو لا يزيده دنوا؛ إذ بلغني أنه قد اشتد شغفه بفكره الوحدة العربية،

وأنه يدرس كل ما يزيده علما بالاستعداد لها ما كتب بلغتها وباللغات الغربية،

كتاريخ الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية.

ثم علمت علما صحيحا أنه موطن نفسه على السعي لسورية وفلسطين معا،

متوسلا بنفوذه عند الدولة الإنكليزية، وأنه يعتقد أن وجود الملك عبد العزيز بن

السعود في الحجاز رحمة للعرب والجزيرة، وأنه لا يوجد في الأمة العربية من

يقدر على حفظ الأمن فيها ودرء الفتن وتقدم العمران مثله أو غيره، وأنه يجب

الاتفاق والتعاون معه، على أنه كان يرى مع هذا أنه لا يرجى أن يكون لهذا الرجل

الفذ الوحيد في مواهبه، من يستطيع من ولده أو غيرهم أن يضطلع بما اضطلع هو

به، وقصارى هذه الآراء والأفكار أنه يجب أن يكون هو قطب الرحى للأمة

العربية والمؤسس لوحدتها.

الأمير عبد الله:

ولعل أخاه الأمير عبد الله لو ابتلي بمثل ما مارسه من خطوب، وتدافعه ما

أشرنا إليه من طفو ورسوب، لمحصت ما في صدره من الشغف بلقب الملك

وعظمته الباطلة، ولو كان هبة تستخدمه بها دولة العدو الغاصبة، وسكنت بعض

ما قلبه على ابن السعود من الضغن والحفيظة ولكن كان من سوء حظه وحظ أمته

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٨٩