تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلما يوجد في معاصريه مثله في حسن بيانه وصراحته، وهو يرى أن أكثر

الصحابة والسواد الأعظم من المسلمين من بعدهم قد نصبوا العداوة والبغضاء

لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم، من عهد أبيهم علي كرم الله وجهه إلى الآن،

وكذلك الأمة العربية في جملتها كما يعلم من كلمته الأولى من كلماته الثلاث، وحجته

الكبرى على ذلك تقديم غيره عليه بالخلافة ويليها من الحجج مخالفة أهل السنة لما

يفهمه هو بوجدانه من الروايات الصحيحة في مناقبه ولما يذكره من الروايات

الباطلة فيها، ويطعن في حفاظ السنة حتى البخاري ومسلم لعدم روايتها، فهو يعدهم

كلهم من النواصب المتبعين لغير سبيل المؤمنين - فهو يسلم ما قاله العلامة

كاشف الغطاء من أن عدم نصب العداء لأهل البيت شرط لصحة الإسلام وولاية

أهله - ولا يراه ردا عليه أو تخطئة له، وكذلك السيد محسن العاملي لا يعده ردا على

كتابه الذي يعدني فيه مع الوهابية غير متبعين لسبيل المؤمنين؛ لأننا ننكر الحج إلى

المشاهد وعبادة قبور أهل البيت أو عبادتهم بالدعاء والطواف بقبورهم؛ ولكننا نعبد

الله تعالى بالصلاة على نبيه وعلى آل بيته في الصلاة وغيرها، ونتقرب إليهم

بحبهم وولايتهم، وبالحكم على من ينصب لهم العداوة والبغضاء بأنه عدو الله

ورسوله، وبهذا القول يقول جميع أهل السنة من الوهابية وغيرهم، ولا يرون

القول بصحة خلافة الراشدين كما وقعت ووجوب حبهم وحب سائر الصحابة منافيا

لذلك، فما قاله الأستاذ في ناحية الشيعة مجمل غير كاف ولا شاف.

بيد أنه عندما توجه إلى ناحية السنة وأهلها تفضل على صاحب المنار

بالنصيحة إلى (ما فرط منه كثيرا من التحريش بالشيعة) ... إلخ إلخ، وهو يعلم

أن صاحب المنار كان مبدوءا لا بادئا، ومدافعا لا مهاجما، ولم يكن محرشا ولا

متحرشا.

ولم يكن يخفى على ذكاء الأستاذ ما يكون لهذا الجواب عندنا من كلتي ناحيتيه،

وما ضمه بين قطريه، وهو ما رأينا من حسن الذوق الاكتفاء بالإشارة إليه،

فشفعه بكتاب شخصي، يتضمن الاعتذار عما توقعه من تأثير الجواب السلبي، قال

فيه بعد الاعتذار عن تأخيره بما هو مقبول:

ما قاله العلامة في كتابه الشخصي:

نأمل من ألطافه تعالى أنكم لا تزالون متمتعين بالصحة والعافية، والعز

والكرامة، مستمرين على منهاجكم الدائب في خدمة العلم والدين، وكونوا على ثقة

من أننا لا نزال ندعو لكم بالتأييد والتسديد، وأن يجعل الحق مناركم عاليا، ونور

معارفكم لظلمات الجهل ماحيا، ولا تزال ذكرى أخلاقكم الطيبة وعوارفكم الذكية

ماثلة في نفوسنا، شاخصة أمامنا.

وتجدون مع هذا الكتاب جواب الرقيم الذي تفضلتم به وأرجو أن تجدوه كافيا

شافيا، وتنشروه على صفحات مناركم الزاهر ليعم النفع به، ويكون إحدى همزات

الوصل بين المسلمين وتمزيق ما نسجته عناكب الأوهام على ذلك الصرح المشيد،

وهي الغاية التي نتوخاها في جميع جهودنا ومساعينا، ولعلكم أحرص عليها منا،

وما التوفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

وقد تجافيت عن ذكر القائل بتلك المقالة الغريبة والتي لا يوافقه عليها أحد

نظرا لبعد الملاحظات التي لا تخفى عليكم (إن تجد عيبا فسد الخللا) اه المراد

منه.

(المنار)

إن عبارة هذا الكتاب، تكشف لنا الغطاء عما خفي في ذلك الجواب، مما

تنطوي عليه جوانح كاتبهما من أريحية إسلامية، تأتلف بها معارفه العقلية وعوارفه

القلبية، وعما رأى أنه مضطر إليه في مقامه من الرياسة في علماء المذهب من

مداراة المدارك المتفاوتة، والوجدانات الموروثة، واكتفائه من صدق لقبه (كاشف

الغطاء) أن يبلغ غاياته في الدروس الفقهية، والفنون العقلية واللغوية، ويقف دونها

من مهاب الأهواء الطائفية والمذهبية، التي تختلف فيها الأفهام وتتزاحم الأوهام،

موقف مراعاة الجامدين ومداراة المتعصبين، اهتداء بما روي في الصحيح عن أمير

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٢٩