تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السلطنة من الأحكام الموافقة لحال هذا الزمان ... إلخ، قال: أنا أعلم أن هذا ممكن

ولكن ماذا تفعل بمشايخ (الفتوى خانه) ؟

يعني أن كبار الشيوخ المنوط بهم الإفتاء الرسمي للدولة عنده في باب المشيخة

الإسلامية هم الذين يعارضون في ذلك، ومما علمته عنهم وعن شيخ الإسلام المقيد

بهم في الفتوى أنهم لا يفتون بأحكام المجلة العدلية وهي كلها شرعية؛ لأن فيها ما

يخالف القول المعتمد في مذهب الحنفية الذي عليه الفتوى في كتبها المتداولة.

(الثاني) الدكتور عبد الله بك جودت صاحب مجلة اجتهاد التي كان ينشرها

في مصر قبل الدستور لأنه كان مضطهدا لا يمكنه دخول البلاد العثمانية وهو أحد

المؤسسين لجمعية الاتحاد والترقي.

هذا الرجل المجاهر بالإلحاد كان يساعدني في الآستانة في مشروع الدعوة

والإرشاد، وقال لي: إذا نجحتم في هذا العمل وأسستم المدرسة الكلية الإسلامية، فأنا

أتبرع بالتدريس فيها وأجعل دروسي الصحية والعلمية على منهجكم في الإصلاح

الديني، قلت: كيف وأنت تحارب الدين؟ قال: إنما أحارب دين مشايخ الفاتح

والسليمانية؛ لأنه لا يمكننا أن نرتقي مع أتباع أفكار هؤلاء، وأما الدين الإسلامي

الذي يفهمه رشيد أفندي رضا والشيخ محمد عبده فهو يساعد على الترقي وتنتفع به

الدولة، فأنا أول من يتمنى خدمته تحت رياستكم.

(وقد بلغني بعد عودتي من الآستانة إلى مصر أنه قال لطلعت باشا وزير

الداخلية وركن جمعيتهم في الحكومة: إنكم أخطأتم أن تركتم رشيد أفندي يسافر ولم

تنفذوا تشبثه، أي مشروع الدعوة والإرشاد) .

وقد كان لعلماء الآستانة نفوذ عظيم في الأمة والحكومة ليس لعلماء مصر منه

أدنى نصيب فيحاربوا باتهامهم بمقاومة الترقي المدني، وأين هو؟ ومتى قاوموه

مقاومة عملية تخشاها الحكومة؟ وإنني لما عرضت مشروع الدعوة والإرشاد على

الصدر الأعظم حسين حلمي باشا رحمه الله تعالى قال لي: هذا مشروع عظيم

ضروري للدولة؛ ولكن تنفيذه عندنا يتوقف على قبول العلماء له وعلى موافقة

جمعية الاتحاد والترقي، وسأكلم شيخ الإسلام ليقنع العلماء، وأكلم صادق بك ليقنع

الهيئة المركزية للجمعية، وأجتهد في إقناعهما ببذل نفوذهما في ذلك، وقال لي

محمود شوكت باشا رحمه الله تعالى مثل هذا القول في نفوذ علماء الترك ثم قال:

إن العلماء في بلادنا (أي العراق) ليس لهم مثل هذا النفوذ ولا أدري كيف حالهم

عندكم في مصر؟

كلمة السيد جمال الدين في علماء الترك

وأما كلمة السيد جمال الدين التي أعنيها هنا ولها أمثال من كلامه في غيرهم

من علماء المسلمين فهي ما قاله في النازلة الآتي بيانها:

كان ميكادو اليابان أرسل في عهد وجوده في الآستانة كتابا إلى السلطان عبد

الحميد يخطب فيه مودته ويقول: إن كلا منا ملك شرقي، ومن مصلحتنا ومصلحة

شعوبنا أن نتعارف ونتواد، وتكون الصلات بيننا قوية تجاه الدول والشعوب

الغربية التي تنظر إلينا بعين واحدة، وإنني أرى شعوب الإفرنج يرسلون إلى بلادنا

دعاة إلى دينهم لحرية الدين عندنا، ولا أراكم تفعلون ذلك، فأنا أحب أن ترسلوا

إلينا دعاة يدعون إلى دينكم (الإسلام) ويمكن أن يكون هؤلاء صلة معنوية خفية

بيننا وبينكم.

اهتم السلطان لهذا الكتاب وأمر بتأليف لجنة من أكبر أهل الرأي عنده في

قصر يلدز للتشاور فيه، وهم شيخ الإسلام وناظر المعارف، وهما الوزيران

المختصان بهذا الموضوع من الجهة الرسمية، والسيد جمال الدين الأفغاني الأخص

به من كل جهة، وآخرون، فاجتمعوا لدى السلطان في قصر يلدز ودارت المذاكرة

فاستحسن شيخ الإسلام ووزير المعارف تأليف بعثة من علماء مدارس الآستانة

لإرسالها إلى اليابان، والسيد جمال الدين ساكت فوجه إليه السلطان النظر وسأله عن

رأيه فقال ما حاصله:

يا مولاي إن هؤلاء العلماء ينفرون المسلمين أنفسهم من الإسلام فكيف يناط بهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٢٥