تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جعل سكرتيرا لجميعة الرابطة الإسلامية الدولية أيضا، وهو كفؤ لها باستعداده

الفني والسياسي؛ ولكنه لا يمكنه الجمع بين العملين ولا إدغام أحدهما في الآخر.

زار سمو الأمير عباس - بعد تأسيس هذه الرابطة - أنقرة وجدد مودته

لحكومتها الجمهورية اللادينية، وزار فلسطين وسورية فاحتفى بزيارته المندوب

السامي البريطاني في الأولى والمندوب السامي الفرنسي في الثانية، وزار شرق

الأردن وجدد مودته لأميرها عبد الله بن الملك حسين، وكل زيارة من هذه

الزيارات تضعف الثقة بهذه الرابطة التي أسسها، فإذا قرن ذلك بمن استخدمهم

سموه في زيارته هذه وباختياره لنشر قانون الرابطة جريدة رجل مسيحي في (بيت

لحم) من فلسطين على المجلات الإسلامية والجرائد اليومية المشهورة؛ فإن الثقة

بها تزداد وهنا على وهن، وظنة على ظنة.

عبارة قانون الرابطة ضعيفة، ومنها ما لا يفهم معناه إلا بالقرينة، وفي مواده

على نقصها أمور مبهمة وأخرى غير معقولة، ومن أغربها أن من أعضاء الشرف

في هذه الجمعية ملوك المسلمين ورؤساء دولهم (أي الجمهورية) فمن ذا الذي يعقل

أن يرضى إمام اليمن وملك مصر وملك الحجاز ونجد وملك الأفغان وشاه إيران

وملك العراق أن يكونوا أعضاء لهذه الجمعية، وليس للمسلمين حكومة جمهورية إلا

حكومة الترك؛ ولكنها حكومة لا دينية لا حكومة إسلامية، فهي قد حلت جميع

روابط الإسلام وتبرأت من كل صلة لها بالمسلمين، ومن الشرق والشرقيين، فأنى

يقبل رئيسها أن يكون عضوا لهذه الرابطة الإسلامية؟ إلا أنه قد يكون له هوى

سلبي فيها، وقد يكون منه شيء يتعلق بالخلافة؛ ولكنه لا يرضى أن يكون عضو

شرف لها.

تداولت الصحف نبأ اضطراب هذه الحكومة اللادينية وانزعاجها من عقد

مؤتمر إسلامي في القدس الشريف، وخوفها أن يكون من مقاصده إحياء منصب

الخلافة الإسلامية، فخاطبت وزارة خارجيتها الدولة الإنكليزية باعتراضها على عقد

مؤتمر هنالك يبحث في مسألة الخلافة، فبلغتها هذه الدولة أن ذلك ليس من عمل

المؤتمر، ولم يمنعها هذا من الكتابة إلى الدول الإسلامية: إيران وأفغانستان

ومصر والحجاز والعراق مقترحة عليها عدم الاشتراك في هذا المؤتمر.

وجملة القول أن أسباب الارتياب في هذه الجمعية كثيرة منها ما ذكرناه آنفا،

ومنها ما ذكرناه في الكلام على المؤتمر الإسلامي العام من هذا الجزء، وهو ما

شاع من سعي سمو العباس ليكون ملكا لسورية أو رئيس جمهورية لها في ظل

الانتداب الفرنسي، وقد تناقل المشتغلون بالقضية السورية عنه أنه مهد السبيل لهذا

السعي مع فرنسة وحكومة الترك الجمهورية بما حملهم على بث الدعاية لمقاومة

سعيه، وإحباط عمله.

ويمكنني بعد هذا كله أن أقول إن مشروع هذه الرابطة الإسلامية هو أكبر عمل

فكر فيه العباس، وأنه خير له من ملك سورية في ظل الانتداب، وقد يكون أفضل

له من ملك مصر مع سيطرة الاحتلال، إذا هو أعطاه حقه، واختار له من الرجال

أهله، وما أراه إلا يعتقد إخلاصي في النصح له، عملا بحديث (الدين النصيحة لله

ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم في صحيحه، وقد صرح لي بمثل

هذا الاعتقاد إذ شرفني بالدعوة إلى مقابلته في قصر القبة بعد إبعادي عنه، وإلحاحه

في عداوتي تسع سنين.

فليتأمل سمو العباس مقالي هذا تأملا، وليتدبره تدبرا، وليتفكر فيه تفكرا؛

فإنه إن يعطه حقه من ذلك غير مشوب بشعور عظمة ماضية، ولا بأماني حاضرة

وآتية، يعلم أن ما قلته هو الحق لا ريب فيه، وحينئذ يجب عليه أن يقف مواهبه

النفسية والمالية على أخذه بربانه، وتوسيد العمل فيه إلى أهله، فبذلك يحدث أكبر

إصلاح في الشرق والغرب، وإلا فالأجدر به تركه والتفصي منه و (كل ميسر لما

خلق له) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١١٧