تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل يصح أن يكون عدم اعتراف الحكومة المصرية بحكومة الحجاز الحاضرة

عذرا شرعيا لهذا المنع والحرمان؟ كلا إن هذا ذنب وذلك ذنب؛ ولكن بعض

رجال الحكومة المصرية يلبسون الشرع بالسياسة كما اعتذر المرحوم عبد الخالق

ثروت باشا عن عدم إرسال كسوة الكعبة المشرفة باحتمال رد الوهابية لها بادعاء

أنها بدعة كالمحمل، قال هذا في جواب البرلمان وقبله منه البرلمان مع علمه وعلم

أعضاء البرلمان أن الملك ابن السعود قبل الكسوة السابقة ووعد بقبول اللاحقة التي

لم ترسل، ومع علم الجميع بأن المحمل بدعة ابتدعته شجرة الدر، وأن كسوة

الكعبة مشروعة مجمع عليها بين المسلمين، وقد صنعها ابن السعود بعد منع مصر

لها، فاستأثر بهذا الشرف من دونها.

وقد بلغنا عن بعض رجال الحكومة أنهم يعتذرون عن منع مخصصات الحجاز

السنوية من مال وغلال وهي دون حق الحجاز أن ناظر أوقاف مصر لا يأمن

حكومة الحجاز على وضعها في مواضعها، ويتعذر على وزارة الأوقاف توليها

لتوزيعها وإشرافها عليه ومراقبتها له، وهذه التعليلات غير صحيحة، ولو صحت

لما صلحت أن تكون سببا لمنع هذه الحقوق أهلها، فحكومة الحجاز أمينة ويمكنها

إثبات توزيع ما يرسل إليها على مستحقيه، وهي لا تمنع عمال وزارة الأوقاف عن

توزيع ما تشاء من المال إذا لم يكن بصفة تتضمن الطعن بأمانتها، ولو فرضنا أن

الذين يتولون توزيعها يخونون بأكل شيء منها لما كان هذا مبيحا لمنعها كلها عن

جميع مستحقيها، وقد يكون هؤلاء الخونة المفروض وجودهم منهم.

ما لنا وللأعذار السياسية، والسياسة ما زالت تلبس الحق بالباطل، وتكتم الحق

الصريح على علم بأنه الحق، نحن الآن أمام خطب عظيم يجب فيه تحكيم الرحمة

التي هي فوق الحقوق الرسمية، والمماراة السياسية.

إن جيران الله وجيران رسوله محتاجون، وقد تكون العسرة العامة أشد عليهم

من غيرهم، وإن حقوقهم على المسلمين كافة أكبر من حقوق غيرهم من إخوانهم

في الدين، فعلى المسلمين في جملتهم أن يتقربوا إلى الله تعالى بتوفير ما امتن به

على سكان حرمه من إغداق الرزق عليهم حتى احتج على المشركين منهم بقوله:

﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ (القصص:

57) .

وعلى المسلمين أن يتقربوا إليه عز وجل بأن يكونوا مظهرا محققا لدعاء خليله

إبراهيم بسعة هذا الرزق عليهم، ولدعاء محمد رسول الله وخاتم النبيين بالدعاء

لأهل حرمه أيضا.

والذي أقترحه على خيار المسلمين في هذه العسرة أن يقبل المستطيعون على

الحج، ويكون الذين يوفقهم الله تعالى لأدائه أسخياء، يبسطون أيديهم بالعطاء

للمطوفين والمزورين والخدم، وبالصدقات على الفقراء؛ فإن ثواب المناسك في

هذا العام مضاعف، وثواب جميع النفقات في الحرمين مضاعف، وليذكروا فيه

حجة الوداع لمن هداهم الله تعالى إلى هذه السعادة برسالته، وشرفهم بجعلهم من

أمته، صلى الله عليه وآله وصحابته، وأنه أهدى في حجته هذه إلى بيت الله تعالى

مائة بدنة (جمل) نحر بيده الشريفة منها في منى ثلاثا وستين (وهي عدد سني

عمره الشريف) وأمر ربيبه عليا كرم الله وجهه فنحر الباقي.

وليحذر كل مسلم من فتنة بعض المضلين والملحدين الذين يصدونهم عن

التوسع في النفقة في الحرمين الشريفين ويغرونهم بالمشاحة والمماكسة فيها،

ويصفون جيران الله ورسوله بالطمع في أموال الحجاج، حتى صار المفتونون

بأقوالهم يعدون كل ما يقرب إلى الله تعالى من النفقة هنالك مغرما من المغارم، وإن

كانوا يسرفون في سائر النفقات حتى المكروهة والمحرمة منها في بلادهم ولا سيما

أماكن اللهو والفسق الخاصة بالأجانب، دع إسراف الفساق في بلاد الإفرنج، وإني

لأخشى على صاحب هذا الشعور أن يكون حجه غير مبرور، وسعيه غير مشكور

وأن يكون بهذا مأزورا غير مأجور.

بل أحدث أعداء الإسلام من الأجانب ومن ملاحدة أهل دينه دعاية أخرى شرا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١١٩