تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رجل مات والرجال قليل

الأستاذ محمد وهبي

مات محمد وهبي. وسبحان الحي الذي لا يموت، مات محمد وهبي فكتب في

الجرائد اليومية بضعة أسطر ملخصها أنه قد توفي فلان ناظر مدرسة الفيوم ونسيب

فلان، وصهر علان، وستشيع جنازته من داره في حي السكاكيني في الساعة

العاشرة قبل الظهر. ذلك بأن أصحاب الجرائد لا يعرفون قيمة محمد وهبي؛ لأنه

كان كنزا خفيا، وهم قلما يعرفون إلا أصحاب الظهور، وإن كان بلباس الزور،

وقد شيعه العشرات من أولي القربى منه وأصدقائه وأصدقائهم وليس فيهم أمير ولا

وزير ولا أحد من أصحاب الرتب العالية؛ لأن هؤلاء قلما يعرفون مثل محمد وهبي،

بل قلما يوجد فيهم من هو أهل لمعرفة مثل محمد وهبي.

كان محمد وهبي في الذرورة العليا في علومه وأخلاقه وآدابه، وقوة إيمانه

وصلاح أعماله، والإخلاص في وطنيته، والجهاد في سبيل ملته وأمته. ولكنه

كان لشدة إخلاصه يؤثر الكتمان ويكره الظهور، ولو كان الناس يكتمون سيئاتهم كما

كان محمد وهبي يكتم حسناته لما وجد في البلاد قدوة في الشر والفجور.

صليت على محمد وهبي صلاة الجنازة، والتفت بعد السلام فلم أجد ورائي

من المصلين إلا بضعة رجال، وأذن بعد الصلاة عليه مؤذن: ماذا تشهدون فيه؟

فقال الحاضرون كما يقولون في جواب كل سائل عن ميت: رجل طيب، أو من

أهل الخير. وقلت: اللهم إني أشهد أنه خير من أعرف من الناس؛ ذلك بأنني كنت

أفكر قبل هذا السؤال وبعده في أفضل الرجال الذين أعرفهم، خضخضت دماغي

لأحرك في زوايا تلافيفه كل رجل رقمت ترجمته فيها، فلم أذكر في أحيائهم أفضل

من محمد وهبي ولا مثله في مجموعة مزاياه.

عرفت محمد وهبي على تنكره وإخفاء فضائله لأنه أحسن الظن بي فحضر

علي بعض دروس التفسير والبخاري وأصول الفقه، وكان يسألني عن بعض

أسرار الدين ومزايا الإسلام، ويستشير في صالح الأعمال، ويواظب على قراءة

المنار. عرفته معرفة خبر، عرفته راسخا في التوحيد، واسع الاطلاع في أصول

الدين وفروعه، ذا بصيرة في حكمه وأسراره، لم يسألني مشتبها أو شاكا كما وقع

كثيرا للطبيبين الفاضلين الصالحين المصلحين (محمد توفيق صدقي وعبده

إبراهيم) في بدايتهما، وكذا غيرهما، بل كانت أسئلته تدل على علم يطلب صاحبه

المزيد والكمال، كان يقتني أنفس كتب الدين ويطالعها للاهتداء والعمل بها، وكان

شديد العناية بكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم ولعله لم يفته شيء مما طبع

منها، بل كان يرغب في استنساخ ما وجد منها إذا يئس من طبعه.

ومن مزاياه أنه كان جامعا بين هداية الدين اعتقادا وأخلاقا وعملا وبين أرقى

النظام المدني في أهل بيته وتربية أولاده: كان يستيقظ من النوم فيوقظ زوجه

وبناته فيتطهرون ويصلي بهم صلاة الفجر إماما، ثم يقرءون جزءا من القرآن

العظيم، ثم يقومون للرياضة البدنية فيأخذون منها بنصيب، وبعد الاستراحة منها

يصيبون من ذواق الصباح ما تيسر، ثم ينصرف كل إلى عمله، فلو أن أمة أو

أهل مدينة كانت بيوتهم كبيت محمد وهبي في الصلاح والنظام والأدب والنظافة،

والتنزه من كل خرافة وسخافة - لكانوا حجة للإسلام والمسلمين، وسبب دخول أهل

المدينة فيه أفواجا.

كان محمد وهبي عالما عاملا، صالحا مصلحا، يأمر بالمعروف مؤتمرا،

وينهي عن المنكر منتهيا، كان كلما تولى إدارة مدرسة حمل أساتذتها وتلاميذها على

المحافظة على الصلوات، حتى لم يكن يدعهم يخرجون منها إلا بعد أن يصلوا

العصر، وكان يبث في كل مدرسة روح الوطنية الصادقة مع روح الصلاح

والتقوى، فكان المستر (دنلوب) الرقيب العتيد لا يفوته شيء من سيرته هذه، وقد

حاول أن يفتنه مرارا فاستعصم، وقد قال له مرارا: إنك أقدر أستاذ عندنا إلا أن

فيك عيبا واحدا لو تركته لارتقيت بسرعة إلى أعلى المراقي! ذلك العيب أنك لا

ترضي رؤساءك. فكان الفقيد يتجاهل مراده ويقول: إنني أبذل كل ما في وسعي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٠١