-----------------
<span class="footnote">
الخلاف بين مصر والحجاز
لما بلغنا أن ملك الحجاز أبى قبول البعثة الطبية المصرية التي أرسلتها
الحكومة المصرية مع ركب المحمل المصري - ظننا أنه يريد بهذا المنع أن يري
المصريين وحكومتهم من أمر استقلاله ما يعرفون به خطأهم في قولهم: إنه وضع
البلاد تحت حماية الإنجليز.
ولما بلغنا أن الحكومة المصرية تريد إرجاع ركب المحمل المصري من جدة مع
ما يحمله من المال والغلال لأهل الحجاز إذا أصر الملك على منع البعثة الطبية
المذكورة - كتبنا مقالا وجيزا نشرناه في جريدة الأهرام نصحنا فيه للحكومة المصرية
بأن لا تفعل ذلك وأنه لا يجوز لها شرعا أن تمنع رجال ركب المحمل ولا غيرهم من
الحج - وكانوا قد شرعوا فيه ووصلوا إلى جدة محرمين به - وأن ملك الحجاز إذا
كان مستبدا غير مقيد في أحكامه بشرع ولا قانون يمنعه عن رد البعثة الطبية، فهي
ليست كذلك، وأن عليها أن تستفتي في مثل هذه المسألة الشرعية علماء الدين،
وارتأينا أن تأمر بعثتها الطبية بأن لا تمتثل أمر ملك الحجاز إذا أراد ردها وعدم
تمكينها من أداء المناسك أو معالجة من يحتاج إلى معالجتها من الحجاج؛ لأنه منع من
عمل شرعي لا يملكه ولا تباح طاعته فيه شرعا. فإن افترضنا أنه أمر رجال حكومته
بمنع الأطباء أو غيرهم من ذلك بالقهر دافعوا عن أنفسهم- أي كما ورد في كتاب
الصيال من الشرع الإسلامي- وبينا أننا نعتقد أنه لا يفعل؛ لأنه لا يجهل ما في ذلك
من التبعة وسوء الأحدوثة، وقد حمد رأينا هذا المعتدلون، ولم ينكره الغالون في
الإنكار على ملك الحجاز والمبالغون في الطعن فيه.
وأما الحكومة المصرية فقد استفتت شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية في
المسألة استفتاء مبهما غير منطبق على النازلة؛ فإنها بنت الاستفتاء على جواز منع
الحج إذا لم يكن هناك أمن أو كان خطر على الصحة، وأين الخوف أو الخطر؟ أما
حفظ الأمن حيث تؤدى المناسك من الحجاز فلا تقصير فيه، وقد نوه المنار به
مرارا، وصرح بأن أكبر حسنات الملك حسين شدة عنايته بالأمن وراحة الحجاج
بقدر طاقته، وهو قادر على ذلك فيما بين جدة وعرفات ولا يتجاوز المصريين ذلك،
وأما الوباء فالظاهر أن الحكومة المصرية كانت تتوقع حدوثه في الحجاز؛ لوجوده
في الهند، وعلى هذا كان يتحتم عليها إبقاء البعثة الطبية وركب المحمل وإلقاء
تبعة كل ما يعمله الملك حسين عليه كما نصحنا لها، وليست هذه التبعة بالأمر
الهين. ولو وقع الوباء - والعياذ بالله تعالى - لما أمكن لها أن تبرئ نفسها من
التبعة، ولفضحت حكومة الحجاز شر فضيحة بعجزها عن القيام بما يجب للحجازيين
وللحجاج؛ إذ ليس عندها أطباء ولا أدوات وعقاقير تكفي لذلك.
وقد علمنا بعد ذلك أن مثار الخلاف أمر مادي محض، ذلك بأن السلطة
البريطانية كانت منذ انضم الملك حسين إلى دولتهم في الحرب ترسل إليه جميع ما
هو مخصص للحجاز من الأوقاف ومن الحكومة المصرية، وكان يتصرف فيه كما
يشاء على أن بعضه لأهل المدينة المنورة التي كانت إلى ما بعد هدنة الحرب في يد
الترك وللأعراب الذين على الطريق إليها، ثم إن حكومة مصر أرادت أن تتولى
توزيع هذه المخصصات بأدائها إلى أهلها؛ إذ بلغها كما بلغنا نحن - والله على ما
نقول شهيد - أن الملك لا يعطي كل ذي حق حقه منها، ومما نقله إلينا بعض
الحجاج الذين بلغهم في الحجاز من يثق بأمانتهم أنه في بعض السنين لم يعط أحدا
شيئا وأن بعض المستحقين في المدينة المنورة ماتوا جوعا، وأنه في سنة أخرى،
ولعلها التي قبل هذه السنة أعطى النصف. والحكومة المصرية أعلم منا بما هنالك؛
لأن لها تكية في مكة المكرمة وأخرى في المدينة المنورة والمستخدمون المصريون
فيهما أجدر بمعرفة هذا الأمر من غيرهم.
بل نقول: إن الملك حسينا كان يتوسل بالإنجليز إلى الاستيلاء على جميع