تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصاحب المنار يبشرهم بوقت تشريفه لعاصمة ملكه، وكان يتردد علي ويقول لي:

إنك ستكون مني كأبي بكر من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كان يقبل يدي أحيانا

ويتذلل لي لأساعده على إظهار دعوته! مثال ذلك أنه ترجح عنده أن يستبدل

الآستانة بالقاهرة، فكلفني أن أكلم رؤوف باشا المعتمد العثماني بأن يطلب له من

الدولة أسطولا أو بارجة حربية لأجل نقله إلى الآستانة، قلت له: إني إن أطلب

هذا من رؤوف باشا يعتقد أنني سلبت عقلي، ولو طلب هو هذا من الآستانة يعتقدون

أنه جن ويستبدلون به غيره، وأما أنت فيمكنك أن تدفع تهمة الجنون عن نفسك

بمعجزة تظهرها للباشا إن كنت نبيا كما تقول

…

قلت: إن هؤلاء قد ضلوا بجهل العربية، وهذا شاهد قطعي على وجوب هذه

اللغة على كل مسلم، فإذا كان من ادعى أنه المسيح المؤيد بالإعجاز في كتبه يزعم

أن البسملة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى مسيحيته هو، فلا

عجب إذا ادعى هو وأتباعه أن قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط

الذين أنعمت عليهم} (الفاتحة: 6-7) يدل على طلب النبوة بدليل أن المنعم

عليهم (إنما هم الأنبياء) فعلى هذا يكون المفروض على كل مسلم أن يطلب من الله

تعالى في كل ركعة من صلاته أن يجعله نبيا يوحى إليه

هذا الفهم الذي جاءنا به هؤلاء الأعاجم قد فات الصحابة والتابعين من العرب

الخلص ومواليهم، وفات جميع واضعي فنون هذه اللغة لضبط ألفاظها ومعانيها

وفلسفتها وآدابها وأسرار بلاغتها، وجميع من فسر القرآن من السلف والخلف -

حتى قام بعض أعاجم الهند في القرن الرابع عشر يزعمون أنه أصل الإسلام وركنه

الأعظم الذي امتاز به على جميع الأديان.

لقد كنت أظن أن ضلالة هؤلاء المسيحيين القاديانيين قد وقفت عند حد لا

تتجاوزه هو دعوى ظهور المسيح والمهدي المنتظرين، وأن هذه الدعوى ستموت

ويخجل أهلها منها بظهور كذب مسيحهم في دعواه أنه أبطل الحرب والجهاد من

الأرض، واستبدل بهما السلم العام، وقد ادعى البهائية عين هذه الدعوى؛ إذ كان

كل منهما يتوهم أن أوروبة تريد ذلك، ثم كذبت أوروبة الدينين الجديدين، بحرب

طرابلس الغرب وحرب البلقان، ثم بالحرب العامة التي لم يسبق لها نظير في

تاريخ العالم باتساع شرها، وعظائم ضرها، ولكن ظهور كذب دعوى البهاء

والقادياني لا يرجع زعماء أديانهما عنها، وترك هذه الرياسة ونعيمها وثروتها، ولا

يرجع من قلدوهم تقليدا أصم أعمى، كما أن رد السواد الأعظم من المسلمين

والنصارى لدعواهما لم يمنعهما من الإصرار على ادعاء هداية أهل الدينين وتغيير

حال الأرض.

وإذ قد ظهر لي أن القاديانية قد ازدادوا ضلالا، وأنهم نظموا دعوتهم وحاولوا

تعميمها كإخوانهم مسيحيي البهائية، فسأجدد الرد عليهم وتفنيد مزاعمهم في مقالات

تترى في الأجزاء الآتية، إن شاء الله تعالى.

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: يعني بهذه الآية قوله تعالى في سورة مريم: [أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم] (مريم: 58) إلخ، وهي لا تدل لغة على ما ذكره من حصر المنعم عليهم في الأنبياء، ولو دلت على ذلك لكانت معارضة لغيرها من الآيات التي ذكرها أو المشار إليها، ولكن هؤلاء أعاجم لم يتقنوا اللغة العربية فجهلهم بها كجهل مسيحهم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٧٣