الوحدة العربية:
لو أن الملك حسينا يريد الوحدة العربية التي يدعيها مع الاستقلال الصحيح
للعرب لما وجدت هذه المسألة الحجازية التي هي أعظم مشكلة إسلامية ستشغل
جميع شعوب المسلمين إلى أن تحل على وجه يرضيهم.
إن الطريقة المثلى أو الوحيدة للوحدة العربية هي أن يعقد حلف بين أمراء
الجزيرة في الحجاز وعسير واليمن ونجد أساسه استقلال كل حكومة ثابتة في إدارة
بلادها مع اتفاق الجميع على صيانة البلاد كلها من كل عدوان أو نفوذ خارجي
والتعاون على إنقاذ البلاد العربية التي احتلها الأجانب بالطرق الممكنة. وأن يكون
لهم مجلس حلفي تقرر فيه جميع المسائل العامة المتعلقة بحفظ استقلال البلاد
وترقيتها
…
اقترحنا نحن وغيرنا هذا على الشريف حسين فأباه؛ لأنه يريد أن يكون ملكا
لجميع هذه البلاد وخليفة للمسلمين بقوة الإنجليز لا بقوة العرب ولا غيرهم من
المسلمين، ولو قبل ذلك وسعى إليه وتم على يديه وثبت بالعمل أنه يرجح المصلحة
العامة للعرب والمسلمين على حب السيادة والملك - لرجي أن يكون هو رئيس مجلس
الحلف العربي؛ إذ لا يعقل أن يعقد هذا المجلس في غير مكة المكرمة، وهذه
الرياسة أفضل وأحسن عاقبة مما هو عليه الآن، ولو لم يكن فيه تحت وصاية دولة
أجنبية نصرانية، ولكنه فضل هذه الوصاية وأصر عليها وهو يتوقع أن يسود البلاد
العربية كلها بعد استقرار سلطته وسلطة ولديه بمقتضى المحالفة الجديدة في العراق
وشرق الأردن- بل فلسطين كلها على ما فهم أو زعم- وكذا سائر سورية كما وعد
أو أوهم.
فثبت بهذا أنه الخصم الأكبر للعرب والوحدة العربية واستقلال العرب كما أنه
الخصم الأكبر للإسلام بوجوده في الحجاز، ولكن جريدة مذبذبة لمأجور غير مسلم
يقول: إنه لا زعيم للعرب ولا أهل للخلافة الإسلامية إلا هذا الرجل، ولا يزال في
مسلمي سورية من يرضى بهذه الزعامة مهما تكن صفتها وعواقبها؛ لتألمهم من
السلطة الفرنسية وتوهمهم أنه مع الإنجليز ينقذونهم منها (؟ ؟) .
***
(ما يجب على المسلمين في أمر الحجاز)
مكانة الحجاز والحرم الشريف فيه:
ليس شأن الحجاز كشأن غيره من البلاد، فيقال: إن حكومته التغلب فيها
كغيرها، فالحجاز مهد الإسلام الأول ومهبط الوحي الأكمل، ومحل الشعائر الدينية
التي لا توجد في غيره، ومعهد إقامة الركن الاجتماعي العام من أركان الإسلام،
الممتاز عن غيره من الأركان. وهو مأرزه الذي يأوي إليه وينصره في آخر الزمان.
وقال أحد الأعلام في صفة مكة: دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى
الذي {جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من
عذاب أليم} (الحج: 25) والمسجد الحرام هنا المراد به الحرم كله. وقوله
سبحانه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ (الإسراء: 1) وفي الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ.
وقال تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ (البقرة:
196) وليس المراد به حضور موضع الصلاة اتفاقا، وإنما هو حضور الحرم
والقرب منه، وسياق آية (الحج) يدل على ذلك، فإنه قال: {ومن يرد فيه
بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (الحج: 25) وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعا
بل المراد به الحرم كله، والذي جعله للناس كلهم سواء العاكف فيه والبادي، هو الذي
توعد من صد عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه.
(فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة والمسعى ومنى والمزدلفة لا يختص
بها أحد دون أحد بل هي مشتركة بين الناس؛ إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم - فهي
مسجد من الله وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى
له بيت بمنى يظله من الشمس وقال: (منى مناخ من سبق) .
(ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي
مكة ولا إجارة بيوتها. هذا مذهب مجاهد وعطاء من أهل مكة ومالك من أهل