الاستفتاء في ملك الحجاز
موقفه الحاضر. سلطته، ومحالفته دولة مسيحية على أن تحمي الحجاز
وتمتاز فيه على المسلمين، ضربه الضرائب على الحجاج، ومصادرة أموالهم،
ومنعه من شاء أن يحج بيت الله. صفات سلطته، خدعة استقلاله. صفته
الحقيقية وحكم الشرع فيها. الوحدة العربية. ما يجب على المسلمين في أمر
الحجاز.
استفتينا في هذه المسائل قولا وكتابة في الجرائد كما استفتي غيرنا فوجب
علينا أن نجيب بما نعلم فيها؛ إذ لم نر أحدا أجاب عنها كلها، وقلما يوجد من أحاط
بما أحطنا به منها، فنقول:
موقفه الحاضر:
أسرف حسين بن علي المتغلب على الحجاز في استبداده، وفي احتقاره للعالم
الإسلامي كله كاحتقاره لأهل الحجاز المستضعفين، وحسب أن حرم الله تعالى
وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم ملك له يتصرف فيهما كما يشاء، ويستغلهما كيفما
أراد، وأنه متى نال تعضيد الدولة البريطانية وحمايتها، لا يبالي بأحد من دونها،
بل هو يعد الحجاز وسائر بلاد العرب جزءا من إمبراطوريتها. ورضي أن يكون
هو وولداه فيصل وعبد الله من عمالها، بدليل أنه طلب منها مرارا أن تولي غيره،
وتختار له ولأولاده مكانا آخر يقيمون فيه، ونشر ذلك في جريدته (القبلة)
وسيجيء نص عبارته في ذلك (وإن سبق نشره في المنار) .
والأصل في هذا عنده ما يسميه (مقررات النهضة) وهي ما اشترطه على
الإنجليز للقيام بالثورة والخروج على الدولة، ومنها حماية الإنجليز للبلاد في داخلها
وخارجها، حتى في حال الفتن الداخلية بين أهلها. ومنها الاعتراف بجعل الأمة
العربية في حكم القاصر في حجر الدولة البريطانية. وقد كان يكتم هذه المقررات
حتى نشرها ولده فيصل في دمشق والشام، فلما رأى أنه لم ينكرها عليه أحد من
المسلمين غير صاحب المنار، توهم أن العالم الإسلامي لا يهتم بأمر الحجاز، أو لا
يتجرأ على إنكار شيء تتفق عليه الجلالة الهاشمية مع العظمة البريطانية (هذا
تعبيره) حتى بدا له في هذه الأيام ما لم يكن في الحسبان.
تلك (المقررات) كانت قد دارت في شأنها مكاتبات بينه وبين المستر هنري
مكماهون الذي كان يسجل عليه كل ما اعترف به من الحقوق للدولة البريطانية
ويتحفظ من التصريح له بما طلب لنفسه من توليته على جميع البلاد العربية في ظل
الوصاية البريطانية، فاستثنى منها معظم سورية الشمالية وكليكية، واحتفظ بحقوق
بريطانية في العراق (إلى آخر ما هنالك) وقد نشرنا هذه المكتوبات بنصها في
مجلد المنار الثالث والعشرين. وسنذكر بعضها هنا، ونرى أنه لولا السكوت فيها
عن استثناء فلسطين من الدخول في المملكة العربية التي وعد بها لنفذت تلك
المقررات الموبقات، ولكن رغبة الإنجليز في حمل الملك حسين على الاعتراف لهم
بفلسطين وما يلزمه من إقرار وعدهم لليهود بجعلها وطنا قوميا لهم، هي التي
دعتهم إلى وضع معاهدة بينهم وبينه يعترف لهم فيها بفلسطين كالعراق وشرق
الأردن، ويلطفون فيها ما يذكر بشأن حماية البلاد العربية كلها، فلا يكون صريحا
كمقررات النهضة المحتفظ بها.
طال أمد المراجعة والمناقشة في هذه المعاهدة؛ إذ كانت توضع بصيغة
فاضحة مفضوحة ليس للملك حسين فيها ما يرضاه ثمنا لخزي ما يعترف به، حتى
أتيح للإنجليز أن يضعوا مع سمساره الدكتور ناجي الأصيل الصيغة الراضية
المرضية عنده التي أقام لها الاحتفالات في بلاده وأعلن الرضا بها واتخذ يوم
الاعتراف بها عيدا قوميا وقبل التهاني عليها، ولقب بملك البلاد العربية ومؤسسها! !
وأراد خداع أهل فلسطين بأنه أنقذهم بها من اليهود كما أنقذ الحجاز وسائر البلاد
العربية من الترك لأجل إخماد الحركة الوطنية فيها، وهددهم بإلقاء المسئولية عليهم
إذا حصل ما يوجبها في البلاد، فنشرت السلطة البريطانية الحاكمة في فلسطين
خلاصة المعاهدة فكان هذا سببا لإطلاع الناس كافة على سر المعاهدة المكتوم، فماذا