حقيقة الإيمان والكفر وشعبهما
والظلم والفسق وما يعد من ذلك خروجا من الملة
أسهب المحقق ابن القيم في كتابه (الصلاة) في الخلاف بين العلماء في كفر
تارك الصلاة وعدمه وأدلة المثبت والنافي. ثم قفى على ذلك بفصول في الحكم بين
الفريقين بدأها بالبحث في مسألة العنوان المهمة فأحببنا نشرها، لأنها من المسائل
المهمة التي لم يوفها مثله حقها.
فصل
في الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفتين
معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر ثم
يصح النفي والإثبات بعد ذلك، فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر؛
ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانا. فالصلاة
من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية
من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة
من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها
ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا
عظيما، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة
الأذى ويكون إليها أقرب.
وكذلك الكفر ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر،
والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من
شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر. والصلاة والزكاة والحج والصيام من
شعب الإيمان وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان
والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن
الطاعات كلها من شعب الإيمان.
وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية. وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية
وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من
شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان. وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية،
فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر فكذلك يكفر بفعل
شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل.
وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول
قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام.
والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه
الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن
تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد
الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على
زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده كما لم
ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول
بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.
وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم
أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم
لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة
الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته
وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد
التصديق، كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا
الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل
بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن
اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك