قال النووي : معناه يؤخرونها عن وقتها المختار ، وهو أول وقتها لا عن جميع وقتها . وقوله " يخنُقونها " بضم النون معناه : يُضيِّقون وقتها ويؤخِّرون أداءها ، يُقال : هُم في خناق من كذا ، أي في ضيق ، والمختنق المضيّق . و" شَرَق الموتى " بفتح الشين والراء ، قال ابن الاعرابي : فيه معنيان :
أحدهما : أن الشمس في ذلك الوقت وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة ثم تغيب .
والثاني : أنه من قولهم شرق الميت بريقه إذا لم يبق بعده إلا يسيرا ثم يموت . اهـ .
7 = كان من هديه صلى الله عليه وسلم تعجيل العصر في أول وقتها .
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب مِنّا إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة .
وفي رواية في الصحيحين قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة ، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه .
قال العراقي : وفيه استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها .
وقال : فيه الردّ على من قال : لا يدخل وقت العصر إلا بصيرورة ظل الشيء مثليه ، فإنه لو كان كذلك لما وصل المصلِّي بالمدينة إلى قُباء إلا بعد نزول الشمس . اهـ .
ومعنى " حيَّة " أي لم تصفرّ .
8 = أما المغرب فقد سبق بيان وقتها في الحديث السابق .
وتبين فيما أوردته من أحاديث أن وقتها موسّع ، وهو من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يُصلّون قبل صلاة المغرب .
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا بالمدينة فإذا أذّن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صُليت من كثرة من يصليهما .
وقال عليه الصلاة والسلام : بين كل أذانين صلاة . رواه البخاري ومسلم . أي بين الأذان والإقامة .
وهذا يعني وجود وقت يسير بين غروب الشمس وبين إقامة صلاة المغرب .
9 = قوله " وكان يستحب أن يؤخِّر من العشاء التي تدعونها العتمة "
لماذا قال : التي تدعونها العَتَمة ؟
قد جاء النهي عن تسمية العشاء بـ " العَتَمة " في قوله صلى الله عليه وسلم : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء ، وهم يُعتمون بالإبل . رواه مسلم .
والذي يظهر أن النهي للكراهة لورود ذلك عن بعض السلف ، أي تسمية العشاء بالعتمة .
10 = ليس في الحديث بيان لوقت العشاء ، ووقتها من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل .
وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو – وقد تقدّم – قوله صلى الله عليه وسلم :
ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِب الشفق ، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط .
ومعنى هذا أن وقت صلاة العشاء يبدأ من مغيب الشفق الأحمر ، وليس بين وقت المغرب والعشاء وقت فاصل
بمعنى أن وقت المغرب يخرج ويدخل وقت العشاء .
قالت عائشة رضي الله عنها : أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر : الصلاة ! نام النساء والصبيان ، فخرج فقال : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم . قال : ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول . رواه البخاري .
11 = قوله : " وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها "
يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنه مظِنّة تضييع صلاة العشاء ، فإن من كان يعمل في النهار إذا نام بعد المغرب فاتته العشاء .
ويكره الكلام بعدها لأنه من السهر ! والله المستعان ، أصبح في هذا الزمان الذي لا يسهر يُستغرب حاله !
قال ابن الملقِّن : وكرِه الحديث بعدها أي بعد فعلها ، إما لخشية أن ينام عن صلاة الصبح بسبب سهره أول الليل ، وإما لخشية الوقوع في اللغط اللغو ، وما لا ينبغي أن يَختم به اليقظة ، وهذا العموم يُستثنى منه إذا كان في خير ، كمذاكرة العِلم ونحوه .