تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا يُسلّم لمن استدلّ به لعدة اعتبارات :

الأول : أن خلوف فم الصائم ليس سببه الأسنان ، بل خلو المعدة من الطعام .

الثاني : أننا لسنا بمتعبدين بهذه الرائحة ، فلا يُترك السِّواك لأجل إبقاء رائحة الفم .

الثالث : أن هذه الروائح مما يتاذّى به الناس ، ولكنها لما كانت آثار عبادة كانت محبوبة إلى الله تعالى لا لذاتها فحسب .

ومثل هذا دم الشهيد ، هو مما يتأذى الناس برائحته ، ولكنه عند الله محبوب ، ولذا يأتي يوم القيامة اللون لون الدم ، والريح ريح مسك .

الرابع : أنه لم يرد الأمر بإبقاء خلو فم الصائم ، كما لم يصحّ النهي عن الاستياك حال الصيام .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة ، ولا هي من جنس ما شرع التعبد به ، وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثّاً منه على الصوم ، لا حثّاً على إبقاء الرائحة ، بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر ، وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم ، وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم ، وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله تعالى يوم القيامة ، بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة صيامه ، ولو أنه أزاله بالسواك . انتهى .

= في الحديث الرد على من منع الاستياك في المسجد .

وقد نقل أبو بكر الطرطوشي عن الإمام مالك أنه كره الاستياك في المسجد من أجل ما يخرج من السواك ، فيُلقيه في المسجد .

والعجيب قول القرطبي : ولم يُروَ عنه أنه تسوّك في المسجد ، ولا في محفل من الناس ؛ لأنه من باب إزالة القذر ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر الناس ، ولا يليق بذوي المروءات في الملأ من الناس . انتهى .

والصحيح أنه لا يُكره لهذا الحديث : " مع كل صلاة " ، " عند كل صلاة "

ولا شك أن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل ، وهذا حث على الاستياك مع كل صلاة .

وهذا الذي فهمه زيد بن خالد الجهني – رضي الله عنه – فإنه لما روى حديث : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة . فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب ، لا يقوم إلى الصلاة إلا استنّ ثم رده إلى موضعه . رواه الإمام أحمد وابو داود والترمذي .

[ وأما كونه من باب إزالة الأقذار ، فلا يُسلّم بل هو من باب الطيب ، وفعله من المروءة لا كما قال ؛ لأنه فيه إظهار شعار هذه السُّنّة ] قاله ابن الملقن .

وقال ابن كثير – رحمه الله – في قوله تعال : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال :

ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يُستحب التجمل عند الصلاة ، ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد ، والطيب لأنه من الزينة ، والسواك لأنه من تمام ذلك . انتهى .

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

عن السواك وتسريح اللحية في المسجد . هل هو جائز أم لا ؟

فأجاب :

أما السواك في المسجد فما علمت أحداً من العلماء كرهه بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد ، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة وبسنة رسول الله الثابتة عنه ، بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء ، فإذا جاز الوضوء فيه ، مع أن الوضوء يكون فيه السواك ، وتجوز الصلاة فيه ، والصلاة يستاك عندها ، فكيف يكره السواك ؟! وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه فكيف يكره السواك ؟

ثم ذكر حُكم تسريح اللحية وفصّل القول فيها ( مجموع الفتاوى 22 / 201 – 202 )

وقد تقدّم ذكر من قال بكراهية السواك في المسجد ، والجواب عنه .

وأما في محفل ومجمع من الناس فسيأتي الكلام عليه – إن شاء الله – في شرح حديث أبي موسى – رضي الله عنه – .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٣٣