فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ .
في الحديث مسائل :
1= حرص الصحابة رضي الله عنهم على فِعْل الخير ، وتنافسهم في ذلك . والْحُزْن على فَوات مَوَاسِم الخيرات ، وعلى فَوات الطَّاعات .
قال ابن رجب : فَكَان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء ، ويَحْزَنُون على التخلُّف عن الخروجِ في الجهاد ؛ لِعَدَم القُدْرَة على آلَتِه . اهـ .
2= التَّنَافُس في أمور الآخرة ، هو التنافس المحمود ، بِخلاف التنافس على الدنيا ، فإنه سبب الهلاك ، وفي الحديث : " أخشى عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم ، فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها ، وتهلككم كما أهلكتهم " . رواه البخاري ومسلم .
3= أَهْلُ الدُّثُورِ . في رواية للبخاري : أَهْلُ الدُّثُورِ مِنْ الأَمْوَالِ .
أَهْلُ الدُّثُورِ " جمع دَثَر ، بفتح الدال ، وهو : المال الكثير " . قاله النووي وابن رجب .
4= إن قِيل : إن الْمُتَمَنِّي للْخَير يُكْتَب له مثل أجر فاعله إذا صَدَق في تَمنِّيه ، فَلِم سأل الصحابة ذلك السؤال ، وطَلَبُوا ذلك الطلب ؟
فـ " َيَظْهَر أَنَّ الْجَوَاب وَقَعَ قَبْل أَنْ يَعْلَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُتَمَنِّي الشَّيْء يَكُون شَرِيكًا لِفَاعِلِهِ فِي الأَجْر " قاله ابن حجر .
5= في رواية في الصحيحين : " ذَهَب أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَات العُلا " .
6= النَّظر في أمور الدِّين إلى من هو أعلى ، والنَّظر في أمور الدنيا إلى من هو أقَلّ .
لأنَّ النّظر في أمور الدِّين إلى من هو أعلى يَحْمِل صاحبه على عُلو الهمّة والتنافس في الخيرات .
والنظر إلى من هو أقَلّ في أمور الدنيا يَحْمِل الإنسان على شُكْر النِّعْمَة ، ولذا جاء في الحديث :
7= فَضْل الذِّكْر .
ففي الحديث : أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .
قال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ : " لا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الأَذْكَارِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمَالِ ، وَعَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ لِلأَغْنِيَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ لا يَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْفُقَرَاءُ . اهـ .
8= قوله : " أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ " استعمال أسلوب السؤال ليكون أدْعَى لتهيؤ النفوس لمعرفة الجواب .
9= مُنافسة الأغنياء للفقراء ، وعدم ترك شيء مِن العمل الصَّالح اعتِمادا على ما عند الإنسان من نفقة ونفع الناس ، بل يُنافس في جميع الخيرات ؛ لأن الراغب في الدار الآخرة لا يَتْرُك شيئا مِن الأعْمَال ؛ لأنه لا يَدري ما هو العمل الذي يُدخِله الجنة .
10= اخْتُلِف في عدد التسبيحات . وسبب الاخْتِلاف ما جاء في الحديث :
" تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً "
فمن فَهِم أنه يَكون مَجْمُوع التسبيحات ثلاثا وثلاثين ، جَعَل مِن كل واحدة إحدى عشرة !
ففي رواية للبخاري : تسبحون في دُبُر كل صلاة عشرا ، وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا . قال : فَاخْتَلَفْنَا بيننا ، فقال بعضنا : نُسَبّح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر أربعا وثلاثين . فَرَجَعْتُ إليه ، فقال : تَقُول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين .