تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13= في اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرب سبحانه وتعالى وهما : الحميد والمجيد .

قال ابن القيم :

فالحميد : فعيل من الحمد ، وهو بمعنى محمود وأكثر ما يأتي فعيلا في أسمائه تعالى بمعنى فاعل كسميع وبصير وعليم وقدير وعلي وحكيم وحليم ، وهو كثير وكذلك فعول كغفور وشكور وصبور ... وأما الحميد فلم يأتِ إلا بمعنى المحمود ، وهو أبلغ من المحمود .

وقال : فالحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يَقتضي أن يكون محموداً ، وإن لم يحمده غيره ، فهو حميد في نفسه ، والمحمود من تَعَلَّق به حَمْد الحامدين ، وهكذا المجيد والممجَّد ، والكبير والمكبَّر ، والعظيم والمعظَّم . والحمد والمجد إليهما يَرجع الكمال كله ، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود ، فمن أحْبَبْتَه ولم تُثْنِ عليه لم تكن حامداً له حتى تكون مُثْنِياً عليه مُحِباً له ، وهذا الثناء والحب تَبَع للأسباب المقتضية له ، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير . اهـ .

14= بركة إبراهيم وآل إبراهيم :

قال تعالى : (سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ثم قال : (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) قال البغوي : يعني على إبراهيم في أولاده .

وقال القرطبي في قوله تعالى : (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) :

أي ثَنّينَا عليهما النعمة . وقيل : كثَرنا ولدهما ، أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده ، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صُلْبِه ، وقد قيل : إن الكناية في (عَلَيْهِ) تعود على إسماعيل ، وأنه هو الذبيح . قال المفضّل : الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل ، وذلك أنه قص قصة الذبيح ، فلما قال في آخر القصة : (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ثم قال : (سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قال : (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) أي على إسماعيل وعلى إسحاق ، كَنَّى عنه لأنه قد تقدَّم ذِكره ، ثم قال : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا) فَدَلّ على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق . اهـ .

ومن هذه البركة أن الله ما بَعث نبياً بعد إبراهيم إلا من ذريته .

قال سبحانه وتعالى : (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)

وقال تعالى : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

فالداعي بهذا الدعاء ، والمصلي بهذه الصلاة الإبراهيمية يسأل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ولآل محمد صلى الله عليه وسلم كما لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وما لآل إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

15= مسألة مشهورة :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن قيل : فَلِمَ قِيل : صَلِّ على محمد وعلى آل محمد ، وبارك على محمد على محمد وآل محمد . فَذَكَر هنا : محمدا وآل محمد ، وذَكَرَ هناك لفظ : آل إبراهيم أو إبراهيم ؟

قيل : لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذُكِرَتْ في مقام الطلب والدعاء ، وأما الصلاة على إبراهيم ففي مقام الخبر والقصة ، إذ قوله : " على محمد وعلى آل محمد " جملة طلبية ، وقوله : " صليت على آل إبراهيم " جملة خبرية ، والجملة الطلبية إذا بُسِطَتْ كان مناسبا ؛ لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب ، وينقص بنقصانه ، وأما الخبر فهو خبر عن أمْرٍ قد وَقَعَ وانقضى لا يحتمل الزيادة والنقصان ، فلم يمكن في زيادة اللفظ زيادة المعنى ، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأتم وأحسن ، ولهذا جاء بلفظ : " آل إبراهيم " تارة وبلفظ : " إبراهيم " أخرى لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر ، وهو الصلاة التي وقعت وَمَضَتْ ، إذ قد عُلِمَ أن الصلاة على إبراهيم التي وقعت هي الصلاة على آل إبراهيم ، والصلاة على آل إبراهيم صلاة على إبراهيم ، فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والاختصار ، وأما في الطَّلَب فلو قيل : " صَلِّ الله على محمد " لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على آل محمد ، إذ هو طَلَب ودعاء يُنشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن أمر قد وقع واستقرّ ، ولو قيل : " صَلِّ على آل محمد " لكان إنما يصلى عليه في العموم ، فقيل : " على محمد وعلى آل محمد " فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصوصه وبالصلاة على آله ، ثم إن قيل : إنه داخل في آله مع الاقتران كما هو داخل مع الإطلاق فقد صَلَّى عليه مرتين خصوصا وعموما . اهـ .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٢٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٢٠٣