ثم ذَكَر رحمه الله الصِّفات الأربع ثم قال :
وأما " الشّكر " فليست واردة فالأَوْلى تركها .
14= قول عائشة : " وَهُوَ شَاكٍ " شاكٍ من الشكوى ، أي وهو يشتكي وجع أو مرض ، وسيأتي سبب هذه الشكوى .
15= قوله : " وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ "
سبب ورود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصُرِع عنه فجُحِش شِقُّه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد . قال أنس : فصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون . رواه البخاري ومسلم .
فإن قيل : ألا يُمكن أن يُصلي غير الإمام إذا اشتكى ؟
فالجواب : بلى ، وفعله عليه الصلاة والسلام كان في أول الأمر ، ثم إنه يدل على مكانة الإمام خاصة إذا كان هو الإمام الراتب .
16= هل هذا الحديث منسوخ ؟
من شروط النسخ معرفة المتقدّم من المتأخّر ، وتعذّر الجمع ، وهو ما يظهر في هذه الأحاديث ، لأن الْمُصلِّي مأمور بالصلاة قائما ما استطاع ، كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، وهو عند البخاري .
وهذا الحديث هو مأمور بالصلاة قاعدا إذا صلى إمامه قاعدا من عُذر .
والذي يظهر أن الحديث منسوخ ، أي الأمر بالصلاة قُعودا .
ولذلك فإن الإمام البخاري لما روى حديث أنس أعقبه بقول شيخه الحميدي ، فقال :
قال أبو عبد الله [ يعني البخاري نفسه ] قال الحميدي : قوله : " إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " هو في مرضه القديم ، ثم صلى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
وآخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالسا وصلى أبو بكر بصلاته قائما والناس من خلفه قيام .
قالت عائشة رضي الله عنها وهو تُحدِّث عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه ، وأنه قال : مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس . قالت : فخرج أبو بكر فصلى ، فَوَجَدَ النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خِفّة فخرج يُهادي بين رجلين كأني أنظر رجليه تَخُطَّان من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ، ثم أُتِيَ به حتى جلس إلى جنبه .
وفي رواية للبخاري : وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير.
وفي رواية لمسلم : فلما دخل المسجد سَمِع أبو بكر حِسّه ذهب يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : قُم مكانك ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر . قالت : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا ، وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر .
وقول آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم نافلة ، واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم عن حديث عائشة رضي الله عنها قالت : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ، فصلوا بصلاته قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا .
وفي حديث عائشة الذي أورده المصنِّف أنه عليه الصلاة والسلام صلّى في بيته ، وهو عليه الصلاة والسلام لا يُصلي الفريضة في بيته .
والقول الأول - وهو القول بالنسخ - أرجح .
ولذا قال الحافظ ابن حجر بعد ذِكر الروايات : ويُستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلى إمامهم قاعداً . اهـ .