تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن حجر : ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته . وعن ابن عمر تبطل ، وبِهِ قال أحمد في رواية ، وأهل الظاهر بناء على أن النهى يقتضى الفساد . وفي المغني عن أحمد أنه قال في رسالته : ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث . قال : ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثواب ولم يُخشَ عليه العقاب . اهـ .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن يرفع قبل الإمام ويخفض ، ونُهي فلم ينته . فما حكم صلاته ؟ وما يجب عليه ؟

فأجاب :

أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة ، لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله ، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهى عن ذلك كقوله في الحديث الصحيح : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، إني قد بدنت . وقوله : إنما جعل الإمام ليؤتم به ؛ فإذا كبّر فكَبِّرُوا ، وإذا ركع فاركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ، ويرفع قبلكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتلك بتلك ، وإذا قال سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، يسمع الله لكم ، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم ، فتلك بتلك ، وكقوله : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوّل الله رأسه رأس حمار ؟ وهذا لأن المؤتم مُتّبِع للإمام مُقتدٍ به ، والتابع المقتدى لا يتقدّم على مَتبوعه وقُدوته ، فإذا تقدّم عليه كان كالحمار الذي لا يفقه ما يُراد بعمله ، كما جاء في حديث آخر : مثل الذي يتكلم والخطيب يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا . ومَنْ فَعَلَ ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه وأمثاله ، كما رُوي عن عمر أنه رأى رجلا يسابق الإمام فَضَرَبَه ، وقال : لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت . وإذا سَبَقَ الإمام سهواً لم تبطل صلاته لكن يتخلّف عنه بقدر ما سبق به الإمام ، كما أمر بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن صلاة المأموم مُقدّرة بصلاة الإمام ، وما فعله قبل الإمام سهوا لا يبطل صلاته ، لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهوا ، فكان كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا ، وذلك لا يَبطل بالسنة والإجماع ، ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يَعتد به على الصحيح ، لأنه فعله في غير محله ، لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتاً لفعل المأموم ، فصار بمنْزِلة من صلى قبل الوقت ، أو بِمَنْزِلة من كبر قبل تكبير الإمام ، فإن هذا لا يُجزِئه عما أوجب

الله عليه ، بل لابد أن يُحرِم إذا حل الوقت لا قبله ، وإن يُحرِم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله ، فكذلك المأموم لابد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسَجَدَ لا قبل ذلك ، فما فعله سابقا وهو ساه عُفي له عنه ولم يُعتد له به ، فلهذا أمره الصحابة والأئمة أن يتخلّف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام ، وأما إذا سبق الإمام عمداً ففي بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره ، ومن أبطلها قال إن هذا زاد في الصلاة عمداً فتبطل ، كما لو فعل قبله ركوعا أو سجودا عمداً فإن الصلاة تبطل بلا ريب ، وكما لو زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا عمدا ، وقد قال الصحابة للمُسَابِق : لا وحدك صلّيت ولا بإمامك اقتديت . ومن لم يُصلِّ وحده ولا مؤتماً فلا صلاة له ، وعلى هذا فعلى المصلِّي أن يتوب من المسابقة ، ويتوب من نقر الصلاة وترك الطمأنينة فيها ، وإن لم يَنْتَهِ فعلى الناس كلهم أن يأمروه بالمعروف الذي أمره الله به ، وينهوه عن المنكر الذي نهاه الله عنه ، فإن قام بذلك بعضهم وإلا أثِمُوا كلهم ، ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعل ذلك ، ومن لم يمكنه إلا هجره وكان ذلك مُؤثِّراً فيه هجره حتى يتوب ، والله أعلم .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ١٣٩