ومذهب جمهور العلماء على أن تسوية الصفوف مُستحبة .
ومثل هذا الوعيد في قوله عليه الصلاة والسلام " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " لا يُمكن أن يصدر في أمر مسنون ، وإنما هذا الوعيد مُتصوّر في ترك أمر واجب .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْوَعِيدُ - يَعْنِي الَّذِي فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ - لا يَكُونُ إلاّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ . ا هـ
ويُمكن أن يُحمل مذهب الجمهور على القَدْر الزائد في تسوية الصفوف ، وهو ما وُصِف بـ " الْحُسْن " و " التَّمام " و " الكمال " ، فقد نصّوا على أن هذه الألفاظ تدلّ على أنها من الكمال .
وأما ترك الخلل ، وتقطيع الصفوف ، والإخلال بها فهو الذي يُحمل عليه الوعيد والتشديد في الأحاديث جمعاً بين أحاديث الباب . والله تعالى أعلم .
وقد أطال ابن حزم في تقرير وجوب تسوية الصفوف .
2 = تقدّم في الحديث السابق أن التسوية تكون بالقول والفعل ، وحديث الباب – برواية مسلم – دالٌّ على تسوية الصفوف باليد ، ويدلّ عليه أيضا أحاديث أخرى
فَعَن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحيته إلى ناحيته يمسح مناكبنا وصدورنا ، ويقول : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، وكان يقول : إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة . رواه النسائي .
وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا . رواه مسلم .
وهذا يعني أن أهل الفضل وكبار السنّ أولى أن يَلُوا الإمام ، وأنه إذا دَعَت الحاجة إلى تأخير الصبيان جاز ذلك .
فقد روى النسائي في المجتبى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن قيس بن عُباد قال : بينما أنا بالمدينة في المسجد في الصف المقدم قائم أصلي فجَبَذَني رجلٌ من خلفي جَبْذَة فنحّاني ، وقام مقامي . قال : فو الله ما عقلت صلاتي ، فلما انصرف فإذا هو أُبَيّ بن كعب . فقال : يا فتى لا يسؤك الله ، إن هذا عهد من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أن نَلِيَه . ثم استقبل القبلة فقال : هَلَك أهل العقدة ورب الكعبة ثلاثا . ثم قال : والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على من أضلوا . قال قلت : من تعني بهذا ؟ قال : الأمراء .
وقال الذهبي - في التلخيص - : على شرط البخاري .
وصحح إسناده الألباني والأرناؤوط .
قال النووي ( 4/116 ) – في شرح حديث " ليليني منك أولو الأحلام والنهى " - : وأولو الأحلام هم العقلاء ، وقيل البالغون ، والنُّهى - بضم النون - العقول .
بل قال - رحمه الله - : في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام ، لأنه أولى بالإكرام ، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى ، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره ، وليضبطوا صفة الصلاة ، ويحفظونها ، وينقلوها ، ويعلموها الناس ، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم . ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يُقدّم أهل الفضل في كل مجمع إلى الأمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها ، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب ، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك . اهـ .
3 = من تسوية الصفوف إكمال الصفّ المقدَّم قبل غيره ، حتى إذا كان هناك نقص صار في الصف الأخير ، وقد تقدّم هذا في الحديث السابق .
4 = ومن تمام إقامة الصفوف أن لا تُقطع بالسواري ولا بالمنابر ، فإذا قُطِعتْ فإن الصلاة بينها تُكره ، إلا لحاجة.