وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر : أهل المدينة يَرَون العقوبات المالية مشروعة حيث مضت بها سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين ، كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة ، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم وادعوا أنها منسوخة ومن أين يأتون على نسخها بحجة ، وهذا يفعلونه كثيرا إذا رأوا حديثا صحيحا يُخالف قولهم ، وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية ؛ مثل كسر دنان الخمر وشق ظروفها وتحريق حانوت الخمار ، كما صنع موسى بالعجل وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام ، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين ... إلخ .
وحديث عبد الله بن عمرو الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين ، فقال : أأمك أمرتك بهذا ؟! قلت : أغسلهما . قال : بل أحرقهما .
وقال النووي : قال بعضهم : في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال ، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية ، وقال غيره : أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالّ من الغنيمة ، واختلف السلف فيهما ، والجمهور على منع تحريق متاعهما . اهـ .
وقال الحافظ العراقي : فِيهِ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ " نُحَرِّقُ بُيُوتًا " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ بِالْمَالِ مَنْسُوخَةٌ بِنَهْيِهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَقَدْ يُقَالُ : هَذَا مِنْ بَابِ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَفُونَ فِي مَكَان لا يُعْلَمُ فَأَرَادَ التَّوَصُّلَ إلَيْهِمْ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ . اهـ .
والتعليل بالمنع من العقوبات المالية بإضاعة المال لا يستقيم ؛ لأن الذي نهى عن إضاعة المال هو الذي أمر بالعقوبات المالية .
ودعوى النسخ لا يُسلَّم بها ، وقد سبق تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الأمر .
11 = هل يجوز التحريق بالنار ؟
روى البخاري من طريق عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق قوما ، فبلغ ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأُحرِقت ، فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ؟
12 = فيه دليل على وجوب صلاة الجماعة
قال الإمام النووي :
هذا مما استدل به من قال الجماعة فرض عين ، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبي ثور وابن خزيمة وداود . وقال الجمهور : ليست فرض عين ، واختلفوا هل هي سنة أم فرض كفاية ؟
وأجابوا عن هذا الحديث بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين ، وسياق الحديث يقتضيه ، فإنه لا يُظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مسجده ، ولأنه لم يحرق بل همّ به ثم تركه ، ولو كانت فرض عين لما تركه . اهـ .
والصحيح وُجوب صلاة الجماعة على غير أهل الأعذار لأحاديث كثيرة ، منها قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر . رواه ابن ماجه .
قال الترمذي : وقال بعض أهل العلم : هذا على التغليظ والتشديد ، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر . اهـ .
نعم هي ليست فرض عين ؛ لأن فرض العين لا يُعذر أحد بتركه ، وصلاة الجماعة تسقط بالعُذر .