والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبادِر صفوان بالحُكم عليه بالنفاق لمجرّد تخلّفه عن صلاة الفجر .
4 = في الحديث بيان أن المنافقين كانوا يُصلُّون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحُكِمَ بنفاقهم .
فكيف بمن لا يُصلِّي أصلاً ؟!
5 = قوله صلى الله عليه وسلم : " ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا " أي لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوا إلى الصلوات حبوا ولو على الرُّكَب ، كما في حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه .
وهذا دالٌّ على عِظم أجر صلاتي العشاء والفجر ، لما فيهما من المشقّة .
وفي حديث أبي هريرة – المتفق عليه – : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا .
6 = معنى " ولو حبواً "
قال صاحب العين : حبا الصبي يحبوا حبوا زحف . قال ابن دريد : إذا مشى على أسته وأشرف بصدره . وقال الحربي : مشى على يديه . نقله القاضي عياض .
7 = قوله صلى الله عليه وسلم : " ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس " فيه جواز الاستنابة في الإمامة للحاجة .
وفيه جواز التخلّف عن الجماعة للمصلحة ، كأن يتخلّف المحتسِب على المتخلِّفين عن صلاة الجماعة .
8 = الهمّ دون العَزم
قال الخطابي في غريب الحديث : وأصل العزم القوة . قال تأبط شرا :
وكنت إذا ما هممت اعتزمت وأولى إذا قلت أن أفعلا
وقال القاضي عياض : قوله " إذا هم أحدكم بأمر " أي قصده واعتمده بهمته ، وهو بمعنى عزم .
وقال الجرجاني في التعريفات : الهمّ هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر .
9 = سبب عدول النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاع هذه العقوبة ؟
في رواية لأحمد : لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار .
10 = العقوبات المالية
هل يُعاقب أو يُعزّر بالمال ؟
إذا كان يجوز أن يُعزّر بالقتل ، فالمال لا شك أنه دون النّفس ، فيُمكن أن يُعزّر به .
وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ، ولا يفرق إبل عن حسابها ، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا عز وجل . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
قال ابن القيم : وقد قال علي بن المديني حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح ، وقال الإمام أحمد : بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده صحيح . وليس لمن ردّ هذا الحدث حجة ، ودعوى نسخه دعوى باطلة إذ هي دعوى ما لا دليل عليه ، وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت نسخها بحجة ، وعَمِلَ بها الخلفاء بعده .
وقال أيضا في فوائد أقضيته صلى الله عليه وسلم : إثبات العقوبات المالية ، وفيه عِدة سنن ثابتة لا معارض لها ، وقد عمل بها الراشدون وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وأكثر من عمل بها عمر رضي الله .
وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر عِدّة أمثلة في التعزير بالمال ، فقال : ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر ، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام ، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل ، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبى وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس ، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرّقه عليه ، فذهب فحرقه عليه ، وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ، ونظائرها متعددة .
ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلِط على مذهبهما ، ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان فقد قال قولا بلا دليل ، ولم يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضى أنه حرّم جميع العقوبات المالية ، بل أخْذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه ، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث ، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن القعوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى ما يوافق الشرع والى ما يخالفه ، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما ، والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة ، وهذا شأن كثير ممن يُخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة إلا مجرد دعوى النسخ ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة .