الإعلان وتقريظ بعض الجرائد التي تراعي في تقريظها إرضاء المؤلفين بدون
وقوف على ما كتبوا، وهذا الرواج حمله على تأليف معجم آخر مبسوط سماه
(دائرة معارف القرن العشرين) بلغ عشرة أجزاء، وقد وصفه بما وصف به كنز
العلوم واللغة وهو كالشرح له، فما كان من هذا الشرح منقولا من الكتب بنصه فله
حكم تلك الكتب، وما كان منه منقولا بالمعنى مع التصرف بزيادة أو نقصان ففيه ما
لا يحصى من الخطأ والغلط، حتى روي أن أحمد باشا تيمور المؤرخ الأديب
واللغوي المشهور جمع من الأغلاط التاريخية في هذه الدائرة جزءا كبيرا، وسئل
عنه أحد علماء الأطباء المشهورين فقال: إن ما رآه فيه من المسائل الطبية كثير
الغلط، ونقول نحن: إن ما فيه من الغلط والخطأ في العلوم الدينية من نقله وآرائه
لعله أكثر من غيره.
من ذلك تعريفه للحديث في مادة (حدث) بأنه ما روي عن الرسول صلى الله
عليه وسلم من (الكلام) . ومنها ما ذكره من سبب تدوينه، ومنها ما ذكره من
تشكك الأئمة فيه، ومنها ما ضبطه من عدد ما صح عن بعضهم بسبب تشكيكهم
كقوله: إنه لم يصح عن البخاري إلا (2600) فقد صح عنه أضعاف ذلك، وإنما
اختلف الحفاظ في عدد أحاديث جامعه الصحيح بسبب ما فيه من التكرار للحديث
الواحد مختصرا ومطولا وموصولا وغير موصول في الأبواب المختلفة، وهذا
العدد مع زيادة اثنين عليه هو ما حرره الحافظ ابن حجر للمتون الموصولة غير
المكررة. ومن المعلوم أن له في أسانيد جامعه هذا شرطا خاصا به لم يشترطه في
غيره مما يصححه في سائر كتبه، ومنه بعض أحاديثه المعلقة فيه، ولا محل
لتفصيل هذا هنا.
(ومنها) قوله: إن أول من ألف الحديث الإمام مالك في الموطأ.
(ومنها) أنه عندما ذكر (المجموعات الشهيرة بالكتب الستة الصحيحة)
أخرج منها جامع الترمذي ووضع فيها سنن الدارقطني، وهذا لم يقله أحد، كما أنه
لم يقل أحد: إن هذه الستة كلها صحاح، وإنما التزم الصحيح في المتون المسندة
منها البخاري ومسلم فقط. وأصحاب السنن يروون الحسان والمعلولة مع بيان
العلل ويكثر في الترمذي الضعاف وهي في ابن ماجه أكثر بل لا تخلو من
الموضوع.
فهذه بضعة أغلاط في كلمة (الحديث) وهي من أهون أغلاطه في المسائل
الإسلامية، فإن الغلط في أصول الاعتقاد وتفسير القرآن.
وجملة القول أن هذه الدائرة لا يوثق بها ولا يعتمد عليها، ولكنها راجت
عند جمهور الناس على قصورها وقلة مادتها لشدة الحاجة إلى هذه المعاجم حتى إن
وزارة المعارف أخذت منها نسخا لمكتباتها لعدم وجود معاجم علمية تامة باللغة
العربية غيرها، وإن كان ينقصها مواد كثيرة ضرورية في كل مقصد وموضوع من
موادها، وهذا محل الشاهد، ولا نقصد به هذا الكتاب الذي لم نطلع عليه مجتمعا
إلا من عهد قريب.
بعد هذه المقدمة أقول: إن علماء الإفرنج لم يرو غليلهم من العلم كثرة وجود
هذه المعاجم عندهم حتى انتدب جماعة من علماء المشرقيات منهم إلى وضع معجم
خاص بالشؤون الإسلامية، وهو الذي اشتهر بدائرة المعارف الإسلامية، وقد صدر
منه بضعة أجزاء ولم يتم، وقد أوشك أن يتم كما قيل، وإذا كنا في أشد الحاجة إلى
معجم علمي عام بلغتنا، فإننا لفي أشد الضرورة إلى مثل هذا المعجم الخاص بملتنا
وأمتنا.
وإذا كان لعلماء الإفرنج الذين ألفوا لنا هذا المعجم منة علينا؛ لأنهم فعلوا لنا
ما لم نفعله لأنفسنا، فإن من أكبر العار علينا أن لا نبادر إلى نقله إلى لغتنا، وإن
لمن ينقله إليها لمنة يجب أن نشكرها لهم بالقول والفعل، ونحمد الله أن نهض لأداء
هذا الواجب جماعة منا فشرعوا في ترجمته بلغة الإسلام العامة التي يقرؤها
المسلمون من جميع الشعوب وهي العربية، وإن قراءته لأنفع لنا من قراءة الأصل
بلغاته الثلاث (الإنكليزية والفرنسية والألمانية) للأسباب الآتية: -
(1) إن حاجة الإنسان إلى معرفة نفسه في المرتبة الأولى، وحاجته إلى