تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى تبعته وصاحبها الصعلوك يقول لها بمرأى ومسمع من الناس: تعالي يا شيخة!

سيبك منه! ! وهي تقول: لا لا بد أن أذهب فأخلص منه. واجتمع الزوجان في

ديوان من الدرجة الأولى حيث يركب الزوج، وجلست مع ولدي في ديوان بجانبهما،

وركب صاحبها في مركبة الدرجة الثانية حيث قطعت هي التذكرة.

وأشفقت على صاحبي من هذا الموقف فوقفت في ردهة العربة وكانت المرأة

الفاضحة المفضوحة لا تزال تصيح وتصخب وهي طورا تقول: أرني أين

صاحبتك أين خبأتها! وتارة تقول مشيت معه! فليكن! سأمشي كل يوم مع واحد!

سأمشي مع من أشاء أنا لا أحبك! أنا أكرهك! أنت شريكي؟ ! ولم يزد الرجل

الكريم الشريف على أن فصلها بالطلاق، وأشفقت عليه من هذا الموقف المر

فاجتذبته، وانتقلت به إلى حيث أقيم وأصيب المسكين برعاف نازق تفجر منه دمه

حتى جرى على أرض العربة، ورغم عنايتي به لم ينقطع النزيف حتى انتهينا إلى

محطة القاهرة فأسعف بالعلاج.

ولهذه المرأة بنون وبنات ولها مع زوجها أعوام وأعوام، وبينما الدم ينزف

من الرجل والخطر يحيط به كان يتكلم في غيظ محرق وفي بكاء مر عما بذله لهذه

المرأة من ود وإخلاص، وعما قدمه لها من بر ومعروف.

أرأيتك يا سيدتي الفاضلة المهذبة كيف يكون جموح المرأة إذا اندفعت، وكيف

يكون استهتارها إذا انكشفت؟ وكيف تكون سقطتها إذا انطفأ نور الضمير، وارتفع

عنها ستر الحياء؟ !

أكانت تصلح هذه المرأة لو خفي أمرها عن زوجها أن تكون زوجة، وأن

تكون أما، وأن تكون عماد بيت ورباط أسرة؟

لقد قصصت هذه الفاجعة على صديقي ضابط مكتب الآداب، وكنت أظنها

منقطعة النظير فابتسم وقال: وكم في البلد من فجائع وكم فيها من أقاصيص! وأخذ

يحدثني عن أشباه تلك الفاجعة وعما هو أشد هولا وأدل على عدم المبالاة منها، ولا

أريد أن أقص عليك بعض ما قص علي، ففي أيسره ما يجف من ذكره القلم

واللسان، وكله يدل على أننا نترامى في هاوية مظلمة الطريق سحيقة القرار.

أتعرفين يا سيدتي كم عدد المواليد الأبرياء الذين قتلوا يوم ولدوا، ومنهم من

ذبح بمدية كما يذبح الجمل الصغير، ومنهم من ضغط على عنقه بيد قاتلة جبارة

فاختنق، ومنهم من ترك حبله السري فتسمم دمه، ومنهم من بقر بطنه وألقي في

صناديق القمامة، ومنهم من قذف به في بئر معطلة أو ساقية مهجورة، ومنهم من

وئد حيا في التراب، ومنهم من ترك بين المقابر فأكلته الكلاب؟ !

مائتان وخمسة وأربعون ضحية ضحي بها في خلال عام واحد بمدينة القاهرة

وحدها فذهبت تشكو إلى بارئها ظلم الأبوة السافلة الفاسدة والأمومة السفاحة الجاحدة.

مائتان وخمسة وأربعون ضحية ترى الموت الأحمر يوم تتنسم الحياة، وتساق

إلى العدم يوم تساق إلى الوجود، وما أسلفت من ذنب، وما اقترفت من جريرة،

وما أساءت إلى إنسان، فبأي ذنب قتلت هذه الضحايا البريئة؟ ولأي سبب قتلت؟

أليس ذلك نتيجة اندفاع الفتاة من غير رقيب أو حسيب!

وما يدرينا لعل من لم تصل إليه الأيدي، ومن لم تهتد إليه العيون من تلك

الضحايا أضعاف من كشفته المصادفات. ومن أعجب العجب أن هذه الحوادث كلها

إلا ثلاثا منها قيدت ضد مجهول، فأين هو هذا المجهول، ومن هو هذا المجهول؟

وتأبى شرطة المدينة إلا أن تنام ملء أعينها حتى يأتي هذا المجهول فيقول: اذهبوا

بي إلى النار فقد مزقت جسدا طاهرا وأزهقت روحا بريئة.

يقولون: وكم من مثل هذا في أوربا! وهكذا يقدر للأمم المغلوبة على أنفسها

أن تأخذ غثاء البحر ولا تغوص على أصدافه، وكم في أوربا من جد وهزل، وقوة

وضعف، وسمو وانحطاط، فما لنا لا نتكئ إلا على الجانب الأخس من جانبيها؟

ما لنا ننظر من أوربا جانب الانخلاع والابتذال، ولا ننظر منها جانب الجهد القاهر

والعمل الجبار؟ في أوربا مرض قاتل يساور جسما قويا فهو يغالبه ويقاومه حتى

يقضي الله أمره فيه. وهاهم (أولاء) أولو الرأي وعلماء الاجتماع الأوربيون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٩٥