تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الروض، لولا أنني لم أحمل إليه الشراب لأني لا أحب الشراب.

ورأيت ولدي قد استخفتهما الطفولة وازدهاهما المنظر البديع فأخذا يسرحان

بين الظلال، وأخذت أكتب عن (مصر الشاعرة) وكان هذا الذي أكتبه هو المقال

الثالث في الشريف العقيلي، وكنت أرى لهذا الشريف حقا على ألا أكتب عنه إلا

بين الزهر والماء.

كتبت ثلاثة أسطر ثم رفعت رأسي فرأيت رجلا حسن السمت، ممشوق القامة،

منسق الثياب، يصعد بأقصى سرعته درج مقصف الحديقة حيث كنت، ولم يكن

غيري هناك.

ونظرت إلى الرجل فإذا هو صديق يجمعني به عهد الطلب وصلة الأدب

فناديته، ولكنه كان في شغل عني بما هو فيه، فلم يسمعني ولم يرني، واكتفى بأن

أرسل إلى المقصف نظرة لهيفة لم تستغرق أكثر من ثانيتين، ثم عاد يثب إلى

الأرض وثبا، ويجري ملء عنانه باحثا بين ربى الحديقة وخمائلها، وبين ظلالها

ومناهلها ثم عاد إلى المقصف أسرع مما مضى، فلم أجد بدا من أهدئ لهفة صديقي

القديم، وإن ظن بي بعض الفضول.

هنالك اعترضت طريقه وقلت له: تعال يا فلان! ما هذا الذي أنت فيه؟

وأراد صديقي أن يطوي صدره على سره، وأن يطبق فاه على غليله، فهز رأسه

وقال: لا شيء. قلت: كلا بل هناك شيء خطير، وأنت هنا وحدك لا يعينك أحد،

وأنا أولى بك من أي رجل سواي، قال: إذن فدع مكانك وأقبل معي، قلت: أنا

معك وأومأت إلى ولدي فأقبلا، ثم قال لي وأنا أسير معه على غير هدى: لقد

حدثني في التليفون من أثق به أنه رأى زوجتي في مقصف محطة القاهرة مع رجل

لا يعرفه، وعرف من حديثهما أنهما ينتظران القطار الذاهب إلى القناطر، وأصغى

صاحبي إليها فوجدهما يتكلمان عن صلة مجرمة وحب أثيم. هناك اتخذت سيارة

من قلب القاهرة فأخذت تطوي الأرض حتى بلغت هذا المكان، قلت: وما لك لا

تفترض الكذب والوقيعة في حديث محدثك، قال: كلا إن محدثي من أقرب الناس

إلي، وأعطفهم علي، وأحبهم إلى نفسي، ولا غاية له في الكذب، ولا مأرب له

في الوقيعة، قلت: إن القطار الذي أشار إليه لم يأت بعد وهنا خرج صاحبي عن

حيرته وتنفس الصعداء، وقال: هلم بنا إلى المحطة واتخذنا السيارة إلى المحطة،

وأوينا إلى ركن من مقصفها، وما يزال على وصول القطار عشر دقائق.

ومرت هذه الدقائق كأنها حين من الدهر، وكنت أشعر أننا قادمان على حدث

عظيم، وأخذت أحادث صاحبي حديثا متقطعا لأشغله عما هو فيه من رجفة وذهول،

فيعطيني عينه وأذنه، ويصرف عني قلبه وإدراكه.

وأقبل القطار ثم وقفت فقلت لصديقي: اسكن ولا تضطرب وإلا أفلت الأمر

منك، وكاد المسكين يجن حين رأى زوجته وهي تسير بجانب رجل ينطق كل

شيء فيه بحقارته وبذاذته ووخامة ظله وتبطله، وإنه ممن يعيشون على حساب

النساء، وأراد الصديق أن يثب ليعترض الطريق فقلت له: رويدك، ونظرت إلى

المرأة فرأيتها تسير بجانب الرجل الأجنبي بغير حذر أو مبالاة، وهي تكلمه في

صفو لا يشوبه كدر، وسرنا وراءهما حتى ركبا إحدى المركبات اليدوية فلم يجد

الصديق المسكين بدا من اعتراض المركبة.

ونظرت المرأة إلى زوجها! فهل تحسبها صعقت الصعقة القاتلة! هل

اضطرب قلبها، وماد جسمها، واختلفت قدماها فسقطت بغير حراك؟ ! هل ذهبت

إلى القطار فألقت بنفسها تحت عجلاته؟ ! هل أغرقها العرق وأدركتها الذلة

فتوارت عن عيون الناس؟ ! هكذا كنا نتصور لو ألفنا رواية خيالية عن سقطة

المرأة وخيانة الزوجة، ولكن لم يكن وربك شيء من هذا! بل إنها نظرت إلى

عشيقها الصعلوك وقالت له ها هو! تعال نر من معه من النساء! وقالت لزوجها:

أنا جئت به ليشهد عليك، فقد قالوا لي: إنك مع امرأة لا بد أن أعرف أين هي؟

ولا بد أن أذهب بها وبك إلى البوليس! ! وتكاثر الناس على موقف المرأة التي

تقوم بدور تمثيلي لا تحسنه أية ممثلة في مصر وغير مصر. ولم يجد صاحبي بدا

من العودة إلى القطار، وكان قد بقي على قيامه خمس دقائق، ولم تتركه المرأة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٩٤