من هذه وهي ترك الحج لما فيه من إضاعة ثروة الوطن في بلاد العرب، وهذا
ضرب من الدعاية إلى ترك الإسلام من أهله؛ وإنما المسلم من يفضل النفقة في
الحرمين الشريفين على النفقة في وطنه تقربا إلى الله تعالى، وقد صار أكثر
الحجاج من الفقراء الذين يزاحمون أهل الحرمين في رزقهم.
أخبرني الشيخ الرحالة عبد الرشيد إبراهيم أنه رأى مرة في البيت الحرام رجلا
من حجاج بلخ فسأله عن فائدة حجه، فأجابه بأن الله تعالى جعل بيته في هذه البقعة
الجرداء، وسخر لأهله الناس لأجل أن يمونوهم ويدروا عليهم الأرزاق، ففائدتي
أنني ممن سخرهم الله تعالى لما يحبه من ذلك، فهذا البلخي الأعجمي قد فهم من
هذه الحكمة من حكم الحج ما لم تفهمه الألوف الكثيرة من المسلمين.
وأختم هذه الذكرى بمخاطبة مولانا صاحب الجلالة ملك مصر بسم الله وبما
تقدم من آيات كتابه وسنة خليله إبراهيم، وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليهما،
أن يصدر أمره لوزارة الأوقاف بإرسال جميع مخصصات الحرمين المتأخرة
إليهما في هذا العام؛ فإنه يكون بحسن النية أكبر أجرا من جميع الحجاج فيما
ينفقون فيه، وإن لم يبذل من ماله الخاص شيئا، ويكون له أعلى الذكر وأرفع
الشرف والحمد في جميع العالم، وترفع في بيت الله ومسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وسائر مشاعر الحج أصوات البائسين وغيرهم بالدعاء المرجو الإجابة له
ولولي عهده و ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (التوبة: 120) .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">