والداني أن هذا المؤتمر لا يفرق بين أحد من أهل القبلة باختلاف مذاهبهم الاجتهادية
المعروفة، ومن أعضائه السنيون من سلفية وخلفية، والشيعة من زيدية وإمامية،
والإباضية، ولم يبق من فرق المسلمين الكبرى غير هؤلاء، وكلهم في المؤتمر
إخوان يصلي بعضهم مع بعض، فلم يعجبه هذا البيان وأصر على اقتراحه، وكان
يشاغب فيما عداه.
واقترح محمد علي أفندي الحوماني إرسال المؤتمر بعثة إلى أميركا لتقوية
المسلمين الذين هاجروا إليها والدعوة إلى الإسلام، وهذا اقتراح حسن في نفسه؛
ولكن المؤتمر لا يمكنه الآن مثله؛ وإنما هو ثمرة من ثمرات جمعية الدعوة
والإرشاد التي ستقدم اللجنة له اقتراحها في شأنها، فأصر على رأيه وكان يشاغب
في كل ما عداه.
أكثر هذان العضوان المراء والشغب في اللجنة حتى مل سائر الأعضاء وقل
اجتماعهم فيها، ثم ملا هما وقل حضورهما، فاغتنمت فرصة تخلفهما ووضعت ما
أراه من الاقتراحات مع مقدمة لها في جلسة واحدة وتناقشنا فيها مع أهل العلم
والرأي من سائر الأعضاء فنقحت، ثم دعا السكرتير المقرر جميع الأعضاء
لقراءتها قبل تقديمها إلى المؤتمر فامتنع العضوان المذكوران من الحضور فقدمناها
إلى المؤتمر، وإنني أنشر نصها ثم أقفي عليه بما كان فيه من شأنها:
تقرير لجنة الدعوة والإرشاد
للمؤتمر الإسلامي العام
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات
وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران: 104-105)
مقدمة:
أما بعد، فإن الله تعالى جلت حكمته قد أكمل لعباده الدين بنبي أمي بعثه في
الأميين {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي
ضلال مبين} (آل عمران: 164) محمد رسول الله وخاتم النبيين، وجعل
دعوته عامة للناس أجمعين، فأتم به نعمته على العالمين، باستكمال دينه العام
الباقي إلى يوم الدين، لجميع ما يحتاجون إليه من حقوق الروح والجسد للأفراد
والاجتماع، بالهداية الروحية، والمصالح المدنية، الموصلتين لمن أقامهما إلى
سعادة الدنيا والآخرة، ولم يبعثه من أتباع الأنبياء الذين كانوا قبله، ولا في
الشعوب التي توارثت العلوم والفلسفة، وأقامت معالم الحضارة، وأتقنت فنون
الصناعة؛ لتكون أميته - صلى الله عليه وآله - من دلائل إعجاز الكتاب الذي بعثه
به؛ ولتكون سنته في بيان هذا الكتاب بالعلم والعمل، والخلق والأدب، والحكمة
وجوامع الكلم، من الحجج العلمية الحسية على نبوته ورسالته، فلا يمكن المراء ولا
الريبة فيها.
ثم لتكون سيرة خلفائه الراشدين فيما فتحوا من الأمصار، وما أقاموا من
ميزان العدل والمساواة في الأحكام، وما ضربوه هم وسائر أصحابه لأهل الملل
وأجناس الأمم من المثل الصالح في الأخلاق والفضائل وأحاسن الأعمال مؤيدة لتلك
الحجج في إظهار حقية دين الإسلام، وتواترها بين الأنام، وأنها من عند الله عز
وجل، لا مستمدة من قوانين موضوعة، ولا من معارف مكتسبة أو مقتبسة، ولا
من تقاليد موروثة.
لقد كان الأساس الأعظم لإصلاح هذا الدين لجميع من يهتدي به من البشر هو
التوحيد، المزيل لجميع أنواع الشقاق والتفريق؛ ولذلك كان التوحيد خمسة أنواع:
1- توحيد الألوهية والربوبية، المطهر للعقول والقلوب من خرافات الوثنية،
وأوهامها المفسدة للفطرة البشرية، الرافع لأهله إلى أعلى المعارف الإلهية.
2- توحيد العبادات المزكية للأنفس من دنس الفواحش والمنكرات، المربية
لها على الاتحاد والاجتماع والنظام.
3- توحيد التثقيف والآداب النفسية والمنزلية والاجتماعية، المرقي للأمة في
الصحة ومكارم الأخلاق وأحاسن العبادات.
4- توحيد التشريع المدني والمالي والسياسي والاجتماعي الذي هو قوام
المصالح الدولية، والمانع من التفرق في الأحكام والأوطان.