ومن أصحابه من دَخَل مكة بغير إحرام في حجة الوداع .
قال تعالى : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا)
قال ابن كثير : أي الذي إنما صَارَتْ حَرَاماً شَرْعاً وقَدَراً بتحريمه لها .
8= قوله : " لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ " أي لا يجوز قطع شَوك الْحَرَم ، والمقصود الشجر النابت من غير فِعل الإنسان
والعضْد هو القَطْع ، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه : ليتني شجرة تُعْضَد . رواه ابن أبي شيبة . وجاء مثله عن أبي بكر رضي الله عنه وعن أبي ذرّ رضي الله عنه .
قال ابن حجر : قال القرطبي : خَصّ الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما يُنبته الله تعالى من غير صنع آدمي . فأما ما يَنبت بمعالجة آدمي فاخْتُلِف فيه ، والجمهور على الجواز .
وقال الشوكاني : وقد ورد الترخيص في الإذخر ، وفي عَلَف الدواب منها ، فهذان الصِّنْفَان هما المستثنيان من النبات النابت في الْحَرَم ، وأما الشجر المؤذي فلم يَرِد دليل يدل على الترخيص فيه ، لكن إذا كان نَابِتاً في الطريق مثلا على وجه لا يمكن المرور إلا بحصول ضَرر منه ، فقواعد الشريعة تَدُلّ على جواز قطع ما كان ضارا، وقد جاز قتل الحيوان لِضَرَرِه ، فكيف لا يجوز قطع النبات ؟ وما ورد في رواية بلفظ لا يُعْضَد شوكها فمحمول على ما يمكن الْمُحْرِم تَجَنّبه إلا إذا ألَحَّتْ الضرورة إلى المرور عليه والوقوف فوقه ، فإنّ قَطْعَه لدفع ضرره أوْلى من تركه مع حصول الضرر منه ، وقد أَذِنَ صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه لضرر ما فيه من القمل . اهـ .
قال ابن حجر : وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه ، فأشبه الفَواسق ، ومَنَعَه الجمهور . اهـ .
9= قوله : " وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ "
في رواية البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حَرَّمَ مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي ، وإنما حَلّتْ لي ساعة من نهار ، لا يْخْتَلى خلاها ، ولا يُعْضَد شجرها ، ولا يُنَفَّر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها إلا لْمُعَرِّف . وقال عباس بن عبد المطلب : إلا الإذخر لصاغتنا ولِسُقُفِ بيوتنا . فقال : إلا الإذخر .
فقال عكرمة : هل تدري " ما يُنَفَّر صيدها " ؟ هو أن تُنَحِّيه من الظلّ وتَنْزِل مكانه .
قال عبد الوهاب : عن خالد : لصاغتنا وقبورنا .
وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي . وخالد هو الحذَّاء .
قيل نَبّه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى تنبيها بالأدنى على الأعلى ، وقد خالف عكرمة عطاء ومجاهد ، فقالا : لا بأس بِطَرْدِه ما لم يُفْضِ إلى قتله . أخرجه بن أبي شيبة .
وروى بن أبي شيبة أيضا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حَمَاماً كان على البيت فَذَرَق على يَدِ عمر فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة ، فجاءت حية فأكلته ، فَحَكَم عمر على نفسه بِشَاة . وروى من طريق أخرى عن عثمان نحوه . أفاده ابن حجر .
وقال في التلخيص الحبير : حديث عمر أنه أوْجَبَ في الحمامة شاة ، وعن عثمان مثله : الشافعي من طريق نافع بن عبد الحارث قال : قَدِمَ عُمر مكة فدخل دار الندوة يوم الجمعة فألقى رداءه على واقف في البيت ، فوقع عليه طير فخشي أن يَسْلَح عليه فأطاره ، فوقع عليه ، فانتهرته حية فقتلته ، فلما صلى الجمعة دَخَلْتُ عليه أنا وعثمان فقال : احْكُما عليّ في شيء صنعته اليوم - فذكر لنا الْخَبَر - قال : فقلت لعثمان : كيف ترى في عَنْز ثنية عفراء ؟ قال : أرى ذلك ، فأمر بها عمر . إسناده حسن ، ورواه بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة عن شيخ من أهل مكة أن عمر - فَذَكَره مُرْسَلا مُبْهَما . اهـ .
ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في السنن الكبرى .
10= وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا "