وأخرج أيضا من طريق المطلب بن عبد الله قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تُبَحّ أصواتهم . قال ابن حجر : إسناده صحيح .
وروى أيضا من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاءني جبريل فقال مُرْ أصحابك يرفعوا بالتلبية ، فإنها شِعار الحج .
وروى أيضا من طريق المسيب بن رافع قال : كان ابن الزبير يقول : التلبية زينة الحج .
قال ابن عبد البر :
وكان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية .
وقال ابن عباس : هي زينة الحاجّ .
وقال أبو حازم : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الرّوحاء حتى تُبَحّ حلوقهم من التلبية .
وأجمع أهل العلم أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها ، وإنما عليها أن تُسْمِع نفسها ، فَخَرَجَتْ من جملة ظاهر الحديث ، وخُصَّتْ بذلك ، وبَقِي الحديث في الرجال ...
ذَكَر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم قال : كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية ، فلا يأت الروحاء حتى يَصْحَل صوته .
قال الخليل : صحل صوته يصحل صحلا ، فهو أصحل ، إذا كانت فيه بُحّة اهـ .
7= متى يُلبي الحاج أو المعتمر ؟
في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : أهَلّ النبي صلى الله عليه وسلم حين اسْتَوتْ به راحلته قائمة .
وفي رواية : كان بن عمر رضي الله عنهما إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمَرَ براحلته فَرُحِّلَتْ ، ثم ركب فإذا اسْتَوتْ به استقبل القبلة قائما ثم يُلَبِّي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك .
وفي صحيح مسلم عن سالم قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له الإحرام من البيداء . قال : البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ما أهَلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة ، حين قام به بعيره .
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته . رواه البخاري .
وعند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه في صِفة حجه عليه الصلاة والسلام : ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نَظَرْتُ إلى مَدّ بصري بين يديه من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه يَنْزِل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عَمِلَ به من شيء عَمِلْنَا به ، فأهَلّ بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . وأهَلّ الناس بهذا الذي يُهِلّون به ، فلم يَرُدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما : فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهَلّ هو وأصحابه . رواه البخاري ومسلم .
وكذلك في حديث أنس رضي الله عنه : ثم ركب حتى اسْتَوتْ به على البيداء حَمِد الله وسَبّح وكَبّر ، ثم أهَلّ
وفي رواية عنه رضي الله عنه : فلما أصبح ركب راحلته ، فجعل يُهَلِّل ويُسبح ، فلما علا على البيداء لَبّى بهما جميعا .
قال ابن حجر : وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله - فَذَكَرَ الحديث - وفيه : فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجَبَ من مجلسه ، فأهَلّ بالحج حين فرغ منها ، فَسَمِع منه قوم فحفظوه ، ثم رَكِبَ فلما اسْتَقَلَّتْ به راحلته أهَلّ ، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك ، فقالوا : إنما أهَلّ حين اسْتَقَلَّتْ به راحلته ، ثم مضى فلما عَلا شَرَف البيداء أهَلّ ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه ، فَنَقَلَ كل أحدٍ ما سَمِع ، وإنما كان إهلاله في مصلاه - وأيم الله - ثم أهَلّ ثانيا وثالثا . وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة . فَعَلَى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يَخُصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء . وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك ، وإنما الخلاف في الأفضل . اهـ .