17= وقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين "
الجمهور على قطع الخفّ إذا لم يجِد النعلين . وعُفي عن المفسدة هنا لوجود المصلحة ، ولأنه لا يُفسِد المال .
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما في حديث ابن عباس " مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ " فإن هذا لفظ عام ، والآخر خاص ، والخاص يقضي على العام .
والعمل بالحديثين أولى من إهمال أحدهما . والقول بالنسخ إهمال لأحد الحديثين .
18= فَرَّق العلماء بين التطيّب وبين وجود أثر الطيب
فَرْقٌ بين أن يتطيّب الإنسان بعد إحرامه ودخوله في النُّسُك ، وبين أن يَجِد أثر الطيب بعد ذلك ، أو يشمّ رائحته .
فالأول مممنوع ، والثاني لا بأس به .
ويَدلّ على الأول أمره صلى الله عليه وسلم للمُحرِم أن يغسل عنه أثر الطيب .
ففي الصحيحين من حديث يَعْلَى بن أمية مرفوعاً : اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ، وانزع عنك الْجُبَّة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك .
زاد البخاري : قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال : نعم .
أما شمّ الطيب من غير قصد ، أو وُجود أثر الطيب ، فهذا لا يضرّ .
قالت عائشة : كأني أنظر إلى وَبِيصِ الطِّيب في مَفرق النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِم . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُحْرِم يتطيّب بأطيب ما يَجِد ، ثم أرى وَبيص الدُّهن في رأسه ولحيته بعد ذلك .
ولذلك لم يأتِ منع الْمُحرِم من شُرب ما كان طيب الرائحة ، ولا مِن وَضْعِه في أكله ، مع كونه نُهي عنه في لباسه .
قال النووي في ذلك : ومنها ما يُطْلَبُ للأكل أو للتداوي غالبا ، كالقرنفل والدارصيني والفلفل والمصطكى والسنبل وسائر الفواكه ، كل هذا وشبهه ليس بِطِيب ، فيجوز أكله وشَمّه وصبغ الثوب به ، ولا فِدية فيه سواء قليلة وكثيره ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا القرنفل ...
ثم قال : الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه ليس بِطيب - والله أعلم - .
قال : ومنها ما يَنبت بنفسه ولا يُراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح والمشمش والكمثرى والسفرجل وكالشيح والقيصوم وشقائق النعمان والإذخر والخزامى ، وسائر أزهار البراري ، فكل هذا ليس بطيب ، فيجوز أكله وشَمّه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه بلا خلاف . اهـ .
والذي يظهر أن الزعفران في الأكل والشرب لا يُعتبر طيبا ولا يُراد به التطيّب ، بِقدر ما يُراد به طِيب نكهة الأكل والشراب .
قال النووي : ولو عَبَقَتْ رائحة الطيب دون عَينه ، بأن جلس في دكان عطار ، أو عند الكعبة وهي تُبَخَّر ، أو في بيت يُبَخَّر ساكنوه ؛ فلا فدية بلا خلاف ، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة لم يكره . اهـ .
19= المقصود بالمخيط :
المقصود به ما كان يُلبس على البدن والأعضاء بِقَدْرِها .
قال ابن قدامة في شرح هذا الحديث : نَصّ النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأشياء ، وألْحَقَ بها أهل العلم ما في معناها مثل الجبة والدراعة والثياب وأشباه ذلك .
فليس للمحرم ستر بدنه بما عمل على قَدْرِه ، ولا ستر عضو من أعضائه بما عُمِل على قَدْرِه كالقميص للبدن، والسراويل لبعض البدن ، والقفازين لليدين ، والْخُفّين للرِّجْلِين ونحو ذلك .
وليس في هذا كله اختلاف .
قال ابن عبد البر : لا يجوز لباس شيء من المخيط عند جميع أهل العلم ، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون النساء . اهـ .
20= يشتهر عند بعض الناس أن المراد بذلك كل مَخيط ، وهذا غير مُراد ولا وارد في النصوص .
ويُروى أن أول من نَصّ على المخيط بالنسبة للمحرِم هو إبراهيم النخعي ، وهو من علماء التابعين .
فللمُحْرِم أن يلبس ما فيه خياط كالنعال والأحزمة وليس في هذا محذور .