تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والكلام في هذا يطول – أي لو أردنا أن نستقصي أحوال الأنبياء في ذلك .

وإنما كان سيدُ الاستغفار سيداً لتضمُّنه الإقرار بالذنب والاعتراف بالخطيئة مع العلم يقينا بأنه لا يغفر الذّنوب إلا الله .

قال عليه الصلاة والسلام : سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء لك بذنبي فاغْفِرْ لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . قال : من قالها من النهار مُوقناً بها فمات من يومه قبل أن يُمسِي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة . رواه البخاري .

قال ابن القيم : فلا يرى نفسه ( يعني العبد ) إلا مقصرا مذنبا ، ولا يرى ربه إلا محسنا . اهـ .

أي فلا يرى العبد نفسه إلا مُقصِّرا في حق ربّه وسيده ومولاه جل جلاله .

3= اعتراف العبد بِذنبِه واعترافه بأنه لا يَغفر الذنوب إلا الله من أسباب المغفرة ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : أذنب عبدٌ ذنبا ، فقال : اللهم اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رَبّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، ثم عاد فأذنب ، فقال : أي رب اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له رَبّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، ثم عاد فأذنب ، فقال : أي رب اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رَبّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، اعمل ما شئت فقد غفرت لك .

فقولُه : اعمل ما شئت فقد غفرت لك .

يدلّ على أن اللهَ لا يزال يغفر لعبده كلما استغفر مالم يُصرّ على معصيته أو يموت على الشرك طالما أنه موقنٌ أن له ربّاً يأخذ بالذنب ويغفره

كما في قوله عليه الصلاة والسلام : إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني . رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح .

4= ختم الدعاء بما يُناسِب الحال ، ففي طلب المغفرة والرحمة في هذا الحديث ختمه بقوله : إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المتقدِّم : اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت .

لما ذَكَر الذنب المتقدِّم والمتأخِّر قال : أنت المقدم وأنت المؤخر .

5= قوله : " فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي "

ما الفرق بين المغفرة والرحمة ؟

بينهما فَرْق ، ففي قوله تعالى : (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) عطف الرحمة على المغفرة ، وكذلك في هذا الحديث ، والعطف هنا يقتضي المغايرة .

قال العيني : والفرق بين المغفرة والرحمة : أن المغفرة ستر الذنوب ، والرحمة إفاضة الإحسان إليه .

6 = مكان هذا الدعاء :

لم يَرِد تحديد لمكان هذا الدعاء ، وإنما قال : في صلاتي ، أي في عموم صلاتي ، وهو يدل على أنه في مواطن الدعاء في الصلاة .

ومواطن الدعاء في الركوع والسجود ، كما سيأتي في الحديث الذي يليه .

وقبل السلام كما تقدّم .

وفي القنوت في النوازل ، وفي دعاء القنوت في الوتر .

والله تعالى أعلم .

-------------------

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٢٠٧