الثاني : كثرة تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم لهذه الأمور ، وتكرارها .
الثالث : التأكيد على هذا الأمر ، والاهتمام به .
7= معنى " التحيات " :
قال القرطبي :
التحية تفعله من حييت الأصل تحيِيَة ، مثل تَرْضِيَة وتَسْمِيَة ، فأدْغَمُوا الياء في الياء ، والتحية السلام ، وأصل التحية الدعاء بالحياة ، والتحيات لله ، أي السلام من الآفات ، وقيل : الملك . قال عبد الله بن صالح العجلي : سألت الكسائي عن قوله : " التحيات لله " ما معناه ؟ فقال : التحيات مثل البركات ، فقلت : ما معنى البركات؟ فقال : ما سمعت فيها شيئا ، وسألت عنها محمد بن الحسن ، فقال : هو شيء تعبد الله به عباده ، فقدِمْتُ الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت : إني سألت الكسائي ومحمدا عن قوله : " التحيات لله " فأجاباني بكذا وكذا ، فقال عبد الله بن إدريس : إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء ، التحية : الملك ...
وقال القتبي إنما قال : " التحيات لله " على الجمع لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّون بتحيات مختلفات ، فيقال لبعضهم : أبيت اللعن ، ولبعضهم : أسلم وأنعم ، ولبعضهم : عش ألف سنة ، فقيل لنا : قولوا التحيات لله أي الألفاظ التي تدل على الملك ويكنى بها عنه لله تعالى .
8= هل يَجوز أن يقول الإنسان لآخر : مع تحياتي ؟ أو مع التحية ؟
يجوز ، واللفظ الوارد هنا المختصّ به سبحانه وتعالى هو الجمع ، ولذا جاء اللفظ : التحيات لله ، أي أن الله مختصّ بها .
كما تقول : السلام عليك مِنِّي ، أو عليك مِنِّي السلام ، والله هو السلام .
9 = حُكم التشهّد :
قال النووي : واختلفوا في التشهد هل هو واجب أم سنة ؟ فقال الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة : التشهد الأول سنة ، والأخير واجب . وقال جمهور المحدثين : هما واجبان ، وقال أحمد رضي الله عنه : الأول واجب والثاني فرض . وقال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما وجمهور الفقهاء : هما سنتان ، وعن مالك رحمه الله رواية بوجوب الأخير ، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب القعود بِقَدْرِه في آخر الصلاة . اهـ .
وقال أيضا : واحتج أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث مع قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي ، وبقوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا التشهد كما يُعلمنا السورة من القرآن ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم فليقل : التحيات . والأمر للوجوب ، واحتج الأكثرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وجَبَره بسجود السهو ، ولو وَجَبَ لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان ، قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول فالأخير بمعناه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعَلِّمه الإعرابي حين علّمه فروض الصلاة ، والله أعلم .
ويُمكن أن يُناقَش هذا القول بأن الحجة في قوله وفَعله صلى الله عليه وسلم .
فأقواله على الأمر بالتشهّد .
وفِعله على جبر النقص بِترك التشهّد ، إذ لو كان مِن الأركان لم يَجبره السجود ، ولو كان من السنن لما لزِم له السجود .
كما أنه عليه الصلاة والسلام لم يَتركه مرّة مُتعمداً لبيان سُنّيّته .
10= رأي ابن مسعود ومَرويّه :
في رواية للبخاري – وذَكَر التحيات - ، وفيه : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وهو بين ظهرانينا ، فلما قُبِضَ قُلنا : السلام يعني على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن حجر : وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون السلام عليك أيها النبي بكاف الخطاب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تركوا الخطاب وذَكَرُوه بِلَفْظِ الغَيْبَة ، فصاروا يقولون : السلام على النبي . اهـ .