والصحيح أنه لا يُفرّق إلا بدليل يُخصص هذا العموم .
ولذلك قال الإمام البخاري : باب يَردّ المصلي من مرّ بين يديه . وَرَدّ ابن عمر في التشهد وفي الكعبة ، وقال : إن أبى إلا أن تُقاتله فقاتِله .
وسبب إيراد أبي سعيد واستدلاله به يدلّ على أنه لا فرق بين الحرم وبين غيره في مُدافعة المار ومَنْعِه .
فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يُصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشدّ من الأولى ، فنال من أبي سعيد ! ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان .
وهذا في يوم جُمعة وفي المسجد النبوي ، كما يُفهم من الروايات .
8= يبدأ بالأخفّ ، وهو الدّفع ، أي أن يردّه ، فيَضَع المصلي يدَه دون من يُريد أن يمرّ .
فإن أصرّ فليُدافِعه ، وهذا عمل في الصلاة لمصلحة الصلاة .
فإن أبى وأصرّ فليُقاتِله .
9= معنى المقاتَلة هنا :
قال القرطبي : أي بالإشارة ولطيف المنع . وقوله : " فليقاتله " أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول . قال : واجمعوا على أنه لا يلزمه أن يُقاتِله بالسلاح لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة ، والاشتغال بها ، والخشوع فيها . نقله ابن حجر في الفتح .
وقال النووي : قال القاضي عياض : وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ، ولا ما يؤدي إلى هلاكه ، فإن دفعه بما يجوز فَهَلَك من ذلك ، فلا قَوَد عليه باتفاق العلماء . وهل يجب ديته أم يكون هدرا ؟ فيه مذهبان للعلماء ، وهما قولان في مذهب مالك رضي الله عنه . قال : واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يُفَرِّط في صلاته بل احتاط وصلى إلى ستره ، أو في مكان يأمن المرور بين يديه . اهـ .
وَنَقَل ابن عبد البر في الاستذكار الخلاف في ذلك كله .
10= هذا لا شك أنه يدل على عِظم حرمة المسلم ، وعِظم الصلاة وشأنها ، حتى إنه ليُدافَع المار ويُقاتَل .
11= قوله : " فإنما هو شيطان "
قال القاضي : قيل معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان . وقيل : معناه يَفعل فِعل الشيطان ، لأن الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة . وقيل : المراد بالشيطان القرين كما جاء في الحديث الآخر: " فإن معه القرين " والله أعلم . أفاده النووي .
والأقرب في هذه التأويلات أنه يَفعل فِعل الشيطان ، لأن الشيطان هو الذي يُحاول قطع الصلاة ، ولأنه يمرّ بين الصفوف ، كما في الأحاديث الأخرى .
والحديث الآخر الذي أشار إليه هو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدع أحداً يَمُرّ بين يديه ، فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين . رواه مسلم .
وتأويله قريب في أن المارّ معه قرين .
إلا أنه لو أراد ذلك لما عبّر بأداة الحصر " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ " .
ويُمكن الجمع بين هذه الروايات أن المارّ يَفعل فِعل الشيطان ، فيُقال له : شيطان ، كما يُقال لمن يفعل أفعال الجاهلية : جاهل . ويكون مع ذلك معه القرين .
12= الصلاة إلى غير سُترة ، سيأتي حُكمها في الحديث الذي يليه .
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : أربع من الجفاء - وذَكَر منها - أن يُصلِّي إلى غير سترة .
13= من صلى إلى سُترة فأراد أحد أن يمرّ بين يديه ، أي بينه وبين سترته ، ماذا يصنع ؟
إن وَضَع يَده ربما يمرّ ، خاصة مع الكثرة في مثل الحرم ، أو إذا كان المارّ امرأة ، فإن المصلي يقع في حَرَج ، إن تَرَك المرأة تمرّ قَطَعتْ صلاته ، وإن وَضَع يَده وقع في حرج آخر !