كل ما يصيبها من عطب وما يصيب ركابها من خطر، فأما أن تكون القيادة له
واللوم على غيره فذلك ظلم وإجحاف.
وفي الختام أرجو ألا أكون تجاوزت الحد في خطاب الأستاذ الأديب الكبير
وتفضلوا بقبول فائق التحيات.
... ... ... ... ... ... ... ... ف. ك
والكاتب يشكر للسيدة الفاضلة عنايتها بمصر الشاعرة، ويسره أعظم السرور
أن يجد في العنصر النسوي إقبالا على جانب من جوانب المجد الأدبي للوطن
الكريم.
أما ثورتي العنيفة يا سيدتي المهذبة فلم أعلنها إلا على المرأة الثائرة العنيفة،
والثورة عدل ونصفة، والعنف على العنف رفق ورحمة.
إن المرأة المصرية تسير الآن في صورة عصبية حادة، وفي يمينها السلاح
القاتل، وفي يسارها النار المحرقة، وتحت قدميها الهاوية السحيقة، وهي حين
تسقط يسقط معها الطفل، ويسقط معها الرجل، ويسقط معها الوطن، وهي لا
تسقط إلا مرة واحدة، ثم لا تعود إلى النهوض أبد الدهر.
نحن لا نتحدث يا سيدتي عن تحديد التبعة بين الرجل والمرأة، فكلاهما له
عقل يزجره إذا انحرف، ودين يهديه إذا ضل، وكلاهما على سواء في الجزاء
والمكافأة وفي الثناء والمذمة، ولكن الفرق البعيد بينهما في قوة الاحتمال عند
الصدع، وفي إمكان النهوض عند العثار، وفيما يلحق المجتمع الإنساني إذا سقط
من رض وانكسار.
فالرجل قد يكبو ثم ينهض، وقد يميل ثم يعتدل، وقد يأثم ثم يبر، وقد يجمح
ثم يتئد، ولكن إلى اليوم لم يخلق الله المرأة التي تسقط السقطة ثم تعود إلى ما كانت
عليه من خير وصلاح؛ لأنها تقاوم الإثم بضميرها المرهف، وحيائها القوي، وهو
يقاومه بعقله ومنطقه، وإذا انثلم الضمير انكسر، وإذا انهتك الحياء زال، أما العقل
والمنطق فقد يخطئان ثم يصيبان، وقد يغيبان ثم يحضران.
وهنالك الفرق البعيد في أثر الانحراف، فالرجل ينحرف وفي بيته المرأة
الصالحة تصون الأسرة وترعى البنين، والمرأة تنحرف فلا تصلح أن تكون زوجة
ولا تصلح أن تكون أما، ولا تصلح أن تكون رباط أسرة، ولا تصلح أن تكون
قوام بيت، بل كل أولئك يكون مائلا متداعيا مصدوعا، والأسرة هي العضو في
جسم الوطن، فإذا مزق العضو سرى الفساد منه إلى الجسم كله.
فنحن إذا صحنا هذه الصيحة الصارخة، وإذا ثرنا هذه الثورة الصاخبة،
فلأننا نرى الجذام قد أخذ يدب إلى جوف الوطن، ويسير إلى قلبه، ولا بد من حسم
الداء قبل أن يستفحل، ولا بد من وقاية القلب قبل أن ينتهك ويفسد.
لا تعجبنك يا سيدتي هذه القيثارة الجوفاء التي يغني عليها شباب الكتاب في
هذا البلد نشيد الإعجاب بالمرأة، والإغراء للمرأة، فإن من الطير ما يميل بإذنه إلى
الصوت العذب والإيقاع الحسن والنغم الجميل، فلا يزال يدنو منه حتى تأخذه
الحبائل، فلا يجد في الأرض مقعدا ولا في السماء مصعدا.
إن هذا الكاتب الذي تأخذين عليه كتابته الثائرة عن المرأة المصرية قد كتب
ثلاثة مجلدات في تاريخ المرأة، وهو فخور بأنه نشر الصفحة المطهرة لأعظم
امرأة في الوجود، وهي المرأة المسلمة في عصر عظمة الإسلام، فهو إذن لم يكتب
ما كتب عن حقد وموجدة، ولا عن مقت وكراهة، ولكنه كتب عن علم وبصيرة،
وعن حزن وإشفاق، وهو لا يزال منذ خمس عشرة سنة يبكي زوجته التي لم تدم
له أكثر من عام ونصف عام، ولا يزال يتخذ قبرها روضته، ويتخذ ذكرها سلوته،
إلى اليوم وبعد اليوم، فإذا رأيتني قسوت على المرأة فلأنني ضنين بها على
الحال التي حالت عليها، وعلى المآل الذي آلت إليه.
فقسا ليزدجروا ومن يك راحما ... فليقس أحيانا على من يرحم
إن المرأة يا سيدتي ثائرة في هذه الأيام على أنوثتها الكاملة، والأنوثة الكاملة
هي الفطرة التي فطر الله عليها المرأة وركب منها فضائلها ومزاياها التي يسمو إليها
الرجل، فهو مبعث الرحمة الشاملة، والوجدان اليقظ، والحياء القاني، والحنان
الفياض، وهي السبيل إلى الوفاء للبيت، والولاء للزوج، والفناء في الولد،