الكمالية، فجميع الشعوب الإسلامية تعبد الله به إلى هذا اليوم، وستعبده به إلى ما
شاء الله على تفاوت عظيم فيها بين جماعاتهم وأفرادهم في حظهم من هذه العبادة،
وبين خير القرون وما يليها.
4- أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن ما فرضه الله تعالى على
أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم من قراءة في الصلاة، فالواجب على كل فرد
أن يتلوه بنصه العربي المنزل كما أنزل ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾ (الزمر:
28) .
ولكن اختلف مدونو الكتب الفقهية بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم فيمن عجز من أفراد الأعاجم عن النطق به عربيا
صحيحا غير ذي عوج بدون تحريف وتبديل لا يبيحهما له الشرع، فقال بعضهم:
إنه في حال العجز تسقط عنه القراءة فيقف ساكتا مخبتا خاشعا لله تعالى، وقال
بعضهم: يستبدل بها ذكرا آخر، وقالت الحنفية: بل يستبدل بها ترجمتها، وجوبا
أو جوازا (قولان) كما أن العاجز عن القيام في الصلاة يصلي جالسا، والعاجز
عن الجلوس يصلي مضطجعا، والعاجز عن الركوع والسجود يومئ بهما، ومتى
زال العذر في الجميع يرجع المصلي إلى الأصل المفروض بإجماع الأمة.
ومن المعروف بالاختبار أن العجز عن النطق بالقرآن العربي نادر قلما يقع إلا
لمن أسلم من بعض الأعاجم وهو كبير السن، وقد جرى المسلمون على تعليم
أولادهم الفاتحة وبعض السور القصيرة عند تعليمهم أحكام الصلاة وأذكارها في
الصغر، فلا يكاد يوجد فيهم من يعجز عن النطق بها، ويضطر أن يستبدل بها
ترجمتها فيحتاج إلى هذه الرخصة الحنفية فيها؛ وإنما يحتاج إليها بعض من يدخل
في الإسلام كبيرا إلى أن تنحل عقدة لسانه بالتمرين على اللفظ العربي.
5- أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أنه لا يباح للمسلمين ترجمة
القرآن بلغة أخرى يتعبد بها في الصلاة والتلاوة والتشريع، ويطلق عليها اسم كلام
الله، وكتاب الله، والقرآن الكريم، والقرآن العظيم، والقرآن المجيد، كما سمى
الله كتابه العربي، ويستغنى بها عن كتابه المنزل، الذي أرسل به رسوله، وتعبد
به أمته، وصرحوا بأنه لا يفعل ذلك إلا مجنون أو زنديق؛ ولذلك نرى جميع
الشعوب الإسلامية الأعجمية من الترك والفرس والأفغان والهند والجاوة والصين
وغيرهم يعلمون أولادهم القرآن ويدرسون في مدارسهم الدينية تفاسيره وكتب
الحديث والفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة باللغة العربية؛ ولكن أكثر
أهل القرون الأخيرة منهم صاروا يفسرونها لطلاب العلم بلغاتهم خلافا للمتقدمين
فلذلك قل المجتهدون والنابغون فيهم، وكثيرا ما يرسلون أولادهم إلى مصر أو
الحجاز لأجل إتقان اللغة العربية وعلومها.
6- قد علم من هذه الأصول التي أجمعت عليها الأمة اعتقادا وعملا أن إقامة
هذا الدين في عباداته وتشريعه وحكومته تتوقف على معرفة اللغة العربية، وأن هذه
اللغة قد جعلها شرع الإسلام لغة المسلمين كافة وأوجب عليهم تعلمها، إذ لا يمكن
العمل بما ذكر من الإجماع بدونها، وقد صرح بهذا الإمام الشافعي في رسالته التي
هي أول كتاب صنف في تدوين أصول هذه الشريعة وكذلك الشاطبي في مقاصدها
من كتابه الموافقات [1] وبيناه في مواضع من المنار والتفسير، وسنزيده بيانا
وإيضاحا في تفصيل ما في هذا المقال من الإجمال، فلينتظره من يشتبه في شيء
منه.
7- قد ترجم القرآن بعض علماء الإفرنج بأشهر لغاتهم العلمية كالفرنسية
والإنكليزية والألمانية والطليانية، وترجمه بعض المسلمين بأشهر لغاتهم الشرقية
وبالإنكليزية أيضا، وفي كل ترجمة من هذه التراجم أغلاط كثيرة مخالفة لمدلولات
عباراته اللغوية والشرعية، فتح بها باب للطعن فيه والصد عن الإسلام، كما أنها
فتحت بابا آخر لمن اطلع عليها من مستقلي الفكر عرفوا بدخولهم فيه شيئا كثيرا من
عقائد الإسلام الصحيحة، وحكمه العالية، وأحكامه العادلة، ومقاصده الحكيمة في