بإمعان الأقوياء في الفتك بهم، ومحاولة الإجهاز على دينهم في كل قطر أجهزوا فيه
على دنياهم، بعث الله تعالى لهم مجددا من آل بيت نبيه الأخيار، آتاه الحكمة
وفصل الخطاب، ألا وهو الحكيم الرباني، السيد جمال الدين الأفغاني، فصاح بهم
صيحة بعد صيحة، في قطر بعد قطر، أيقظت كثيرا من النائمين، ونبهت المستعد
من الخاملين، بدأ إنذاره بالأفغان فالهند فمصر، فالترك والتتار والفرس، فربى
بحكمته وهمته رجالا نفروا للجهاد العلمي والسياسي والمدني خفافا وثقالا، وكان
ظهيره ووليه في عهده، وخليفته في الإصلاح من بعده، الأستاذ الإمام الشيخ محمد
عبده رحمهما الله تعالى فهما المجددان اللذان شخصا الداء ووصفا الدواء، وشرعا
في العلاج، فهب لمعارضتهما الجامدون من المقلدين، والخرافيون من المرشدين
والمستبدون من الحاكمين، وكان بينهما وبين قواد تلك الجنود المجندة ما كان من
مصارعة ومقارعة، ومصاولة ومنازلة، حتى كان لدعوتهما النصر، ولتعاليمهما
الظفر، على سنة التدريج المطردة في الأمم، فكل ما سمعناه في الجلسات العامة
لهذا المؤتمر وجلسات ما عقده من اللجان من الشكوى من تفرق المسلمين وجهلهم
وضعفهم، ومن الآراء في الدفاع عنهم؛ إنما هو أثر دعوتهما، وسريانها في جسم
العالم الإسلامي سريان البرء في السقم.
أكثر أعضاء هذا المؤتمر من شعوب المسلمين في جميع الأقطار فيما اقترحوه
عليه من الإصلاح وهو في مهد مولده، حتى كأنه دولة نيابية قوية غنية؛ وإنما هي
نفثات مصدورين، وكرير مخنوقين، بل يصح أن يقال في بعضها إنها استغاثة
غرقى أو حشرجة محتضرين، كالصوت الذي وصل من إخواننا المرهقين بظلم
البلشفية في الروسية، ويقرب منهم إخواننا برابرة المغرب ولا سيما الأقصى ومنها
ما هو تعبير عن الرجاء في المؤتمرات الملية التي هي أقوى وسائل توحيد قوى
الأمة.
على أنه قد بقي من مصائب المسلمين ما قصر الأعضاء في بيان كنهه،
وتمثيل خطره، وهو فشو الإلحاد والإباحة، والإسراف في الشهوات الحيوانية،
فهذه الموبقات أشد فتكا وأسرع انتشارا من مضار تفرق المذاهب، والجمود على
التقاليد والإصرار على الخرافات، بل هي شر مآلا من تعاليم الدعاة إلى دين غير
الإسلام؛ فإن سمومها تنفث في الأرواح من طريق العلوم والفنون التي يتهافت
عليها نشء المسلمين في جميع الأقطار، بباعث اعتقادهم واعتقاد أولياء أمورهم
أنها طريق الحياة المادية، ووسيلة السعادة في الحضارة العصرية والعيشة الراضية
المرضية.
فأما كون الحياة المدنية في هذا العصر لا تقوم إلا بالعلوم والفنون فقد صار
من المسلمات التي لا مراء فيها، وأما كون العلوم تقتضي الإلحاد والإباحة فهذا
باطل، ولهذا كان من أعظم مقاصد هذا المؤتمر إنشاء مدرسة جامعة لها تكون
إسلامية، وليس معنى كونها إسلامية أن تقبل طلاب العلم العالي فيها من جميع
شعوب المسلمين كما قيل؛ فإن معاهد العلم العالي في كل بلد لا يصد عنها
المسلمون، فمدرستهم أحق بذلك وأولى؛ وإنما يعنى به أن يجمع فيها بين العلم
النافع ودين الإسلام الصحيح الذي هو دين العلم والحضارة بطبعه، بحيث يكون
الإسلام فيها مهذبا للعلوم المادية بالعقائد الحق وتربية العبادة والفضائل التي تصد
عن جعلها وسائل للإسراف في الشهوات، وفتك الأقوياء بالضعفاء، ويكون العلم
فيها معززا للإسلام وأهله بالثروة والقوة التي تصد الأعداء عن الاعتداء على دار
الإسلام، وتحول دون تمكنهم من سلب سلطته واستعباد أهله، وحسبنا في هذه
الجملة الوجيزة في معنى كون هذه المدرسة الجامعة الإسلامية، ومنه ننتقل إلى
موضوع لجنتنا واقتراحاتها فنقول:
المقصد:
إن ما يقصده المؤتمر من مشروع الدعوة والإرشاد هو الذي يتحقق به معنى
كون الجامعة إسلامية، وبه تحصل جميع المقاصد الإصلاحية التي كثرت
الاقتراحات فيها، كمقاومة التبشير المراد به تنصير المسلمين ومحاربة الإلحاد