إصلاح البشر، وحكموا على جميع ما نشره الملاحدة الماديون، ورجال الكنيسة
المتعصبون، ودعاة النصرانية المرتزقون، من الكتب والرسائل الكثيرة في الطعن
على الإسلام، بأن ما دونوه فيها من المطاعن زور وبهتان، فكثر مادحو الإسلام
من علمائهم الأحرار، واهتدى كثير منهم به، واستضاءوا بنوره، ولا تكاد تمر
سنة إلا وتجد بعض المستقلين في الفهم منهم يدخلون في الإسلام بالاطلاع على
بعض هذه الترجمات أو بمعرفته ممن عرفوهم من المسلمين.
8- أن ما ترتب على ما ذكر من الترجمات من صلاح وفساد يوجب على
المسلمين وجوبا كفائيا أن يزيدوا ما كان من صلاح قوة وتأييدا، وأن يفندوا ما
حدث من الفساد تفنيدا؛ وإنما يكون ذلك بترجمته بتلك اللغات كلها ترجمة معنوية
صحيحة، إذ كانت الترجمة الحرفية متعذرة وغير مفيدة، كما نبين ذلك بالأدلة
والشواهد التي لا تقبل النقض، ولا تقابل بالرد، وفاقا لما قررناه من قبل، وهذه
الترجمة التي تعد - بما ذكرنا من الحاجة إليها - فرض كفاية على المسلمين، لا
تسمى
قرآنا ولا يتعبد بتلاوتها، إنما هي خلاصة تفسيرية له تدخل في باب الدفاع عن
دين الإسلام من جهة، وفي باب الدعوة إليه من جهة أخرى، وإن كانت الدعوة
العامة لا تتوقف عليها كما سنبينه في تفصيل هذه المسألة المجملة.
9- أن هذه الترجمة لا يرجى أن تكون متقنة ومقبولة عند المسلمين وغيرهم
إلا إذا قام بها جماعة من العلماء الراسخين في اللغة العربية، وعلوم الشريعة
الإسلامية وتاريخها، ومتقنين للغات التي يترجمون بها، حتى يكون لها صفة تشبه
البلاغات الرسمية الدولية، ولا يتم هذا العمل إلا بإنفاق ألوف كثيرة من الجنبيهات،
فلا بد أن تقوم به دولة غنية، أو جمعية قوية، أو يكفله أحد ملوك المسلمين بنفوذه
وماله.
10- لا جرم أن الدولة المصرية أقدر الدول الإسلامية الحاضرة على أداء
هذا الواجب الذي يعد أعظم خدمة للإسلام لدى الشعوب غير الإسلامية، وأن جلالة
ملكها المعظم أجدر ملوك المسلمين به، إذ يمكنه أن يبذل في سبيله عشرات الألوف
من الجنيهات من الأوقاف الخيرية العامة والخاصة بالأسرة المالكة، وإن احتاج إلى
المزيد فإن في ثروة جلالته ما يغني عن فتح اكتتاب له من الأمراء والنبلاء من
أسرته وسائر أغنياء مصر وغيرها إن أراد أن يستقل بشرفه، وإلا وجد كثيرا من
المتنافسين بمشاركته فيه، وقد بذل جلالته ألوفا من الجنيهات لعالم فرنسي جزاء
على كتابة تاريخ حديث لمصر، فلا يكثر على جوده أن يبذل أضعافه في سبيل الله
والدفاع عن دين الله، وتعميم هداية كتاب الله؛ فإن هذا أفضل ما يمكن أن يعمله
للإسلام.
فإذا وفق الله تعالى جلالته لتنفيذ هذا العمل الذي نتقرب إلى الله تعالى، ثم إلى
مقامه الإسلامي السامي باقتراحه عليه أولا، فهو أعلم الناس بطريقة التنفيذ له
وتأليف الجمعية التي تقوم بالترجمة من علماء الأزهر وغيرهم من العارفين باللغات
الأجنبية الحاذقين لها، ووضع النظام لعملهم.
وإن كان لدى جلالته مانع من ذلك - وهو ما لا نظنه - فإن هذه الفريضة لا
تسقط عنه وعن سائر المسلمين إلا بقيام آخرين بها، وأيا ما قام بها يرتفع الإثم عن
الآخرين، وحينئذ يجب أن يفكر أهل الغيرة على الدين في الأمر، ويسعوا لتأليف
جميعة قوية غنية تقوم به، كجمعية الرابطة الإسلامية العامة التي فكر فيها الخديو
السابق لمصر الأمير عباس حلمي ونشرنا نظامها في المنار، لا الجمعية الضعيفة
التي وضع أساسها في هذا الشهر بعض المهتمين بالدفاع عن الإسلام، فإن لم يتيسر
هذا ولا ذاك فيجب أن يجعل هذا المشروع أهم ما يعرض على المؤتمر الإسلامي
العام في دورته الثانية، إذا وفق الله تعالى لإعادته، بما نرجو أن يكون أفضل من
بدايته.
ويمكن صاحب هذا الاقتراح أن يبين ما ينبغي توخيه في هذه الترجمة لتكون