…
باطل أريد به باطل.
(3) أنهم أرادوا من ادعاء انتهاء أجل خلافة النبوة وصيرورة رياسة
الحكومة الإسلامية ملكا، ومن اشتراط كون الخليفة الحق كالنبي الذي يخلفه بغير
فرق، ومن اشتراط النسب القرشي فيه - أن وجوده متعذر، وأن تعذره يجعل
المسلمين في حل من نسخ الإمامة الإسلامية العظمى واستبدال حكومة أخرى بها لا
يكون رئيسها إماما للمسلمين ولا خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم في سياسة الدنيا
وإقامة الدين، وهو ما صرحوا به في الصفحة الثانية والعشرين.
ونقول: إن الخوف من مثل هذه الجرأة على العبث بالشرع والتلاعب بالدين
هو الذي جعل بعض علمائنا العقلاء يشايعون أهل الجمود التقليدي على القول بإقفال
باب الاجتهاد !! فقد كنت أتكلم مع أستاذنا الشيخ حسين الجسر في هذه المسألة فقال:
إننا نخاف من فتح هذا الباب أن يدعي أهل الجرأة والجهل الاجتهاد، ويروج ذلك
لهم الحكام الظالمون ليفتوا لهم بما يوافق أهواءهم، وذكر لي مثلا على ذلك الشيوخ
المقربين من السلطان عبد الحميد كالشيخ أبي الهدى الصيادي، وقال: إن السلطان
كان يرغب في جعله منهم، وأن يظل لديه في (المابين) وأنهم عرضوا عليه أن
يفتي في بعض المسائل التي يعتقد بطلانها فاعتذر وتنصل بلطف وألح في الاستئذان
بالعودة إلى بلده معتذرا بأن الإقامة في الآستانة تزيد في مرضه الصدري المزمن
فلما صدرت الإرادة السنية له بالإذن كان كأنه خرج من السجن، وقد كانت شرا من
السجن على محب الحق.
ولكن إقفال باب الاجتهاد لم يحل دون المفسدة التي كان يخشاها شيخنا رحمه
الله تعالى فقد كان مشايخ الإسلام في الآستانة كمشايخ مصر وغيرها يفتون الحكام
بكل ما يطلبون منهم الفتوى فيه بإيراد نصوص مبهمة يتركون لهم الحرية في
تطبيقها على النوازل بما يخالف الشريعة، وأحدث هذه الفتاوى في عصرنا فتوى
شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية لوزارة مصر بما جعلته حجة لإرجاع ركب
محمل الحج من جدة ومنعهم من إتمام النسك بعد الإحرام به، والشيخان لا يبيحان
هذا لو سئلوا عنه بخصوصه. وشر من هذه الفتوى وأضر فتوى شيخ الإسلام
عبد الله دري أفندي لحكومة السلطان محمد وحيد الدين بأن جيش الأناضول المدافع
عن استقلال الدولة عاص على الخليفة خارج عليه فيجب قتالهم، ومن قتل في ذلك
فهو شهيد، وهو لم يذكر جيش الأناضول وإنما ذكر عبارة مجملة عامة طبقتها
الحكومة عليهم، والتقليد أعون على هذه المفسدة من الاجتهاد، فإن الاجتهاد يبيح لكل
عالم أن يفند خطأ المخطئين بالدليل كما نفعل بالرد على مؤلفي كتاب (خلافت
وحاكميت ملية) .
أما قولكم: (إنه يجب على المسلمين إقامة خليفة) فهو صحيح، وعليه
أجمع أهل السنة ومن وافقهم من سائر الفرق المعتدلة كالزيدية. وقولكم: (إن الخليفة
لا بد أن يكون من قريش) صحيح أيضا ومجمع عليه عند أهل السنة كما نقلتموه عن
كتب العقائد الشهيرة التي لا تزال تدرس في مدارس السلاطين في الآستانة، وفي
سائر بلاد الترك وغيرها.
وأما قولكم: (إن وجود خليفة جامع للشروط والصفات متعذر) فهو باطل؛
فإن الشروط المذكورة في كتب العقائد والفقه كلها متوفرة في كثير من رجال قريش،
ولا سيما إذا جرينا على عدم اشتراط بعض الحنفية - الذين يقلدهم الترك- العلم
الاجتهادي، فحينئذ نقول لهؤلاء: بم تطعنون في صديقكم السيد أحمد شريف
السنوسي؟ ألستم تشهدون بأنه قرشي حسني تقي صالح عادل؟ على أنه يوجد في
علوية قريش من هم أهل للاجتهاد سواء ادعوه كصديقكم إمام اليمن أم لم يدعوه
تواضعا كالسيد محمود شكري الآلوسي البغدادي.
وقد بينا لكم في كتاب الخلافة الطريقة المثلى لإيجاد كثير من المستجمعين
لشروط الخلافة، وهو تأسيس مدرسة لتخريج المجتهدين في الشرع الإسلامي،
يختار لها بعض الطلاب من أذكياء العلويين؛ لأنه قلما توجد أنساب ثابتة لغيرهم من