لغة الإسلام
واللغة الرسمية بين الممالك الإسلامية
(1)
قرأنا في برقيات الأهرام وغيرها نبأ غريبا: هو أن جريدة (طنين) التركية
تلقت رسالة موقعا عليها من خمسة وعشرين مسلما في طشقند وأفغانستان ومصر
والجزائر وبمباي وبكين وبلاد أخرى يحثون فيها جميع المسلمين على استعمال
لغة واحدة في العلاقات التي بينهم أسوة بالقاعدة المتبعة في استعمال اللغة الفرنسية
في المسائل السياسية، وإن الموقعين على هذه الدعوة صرحوا بأن اللغة التركية
متوفرة فيها الصفات الضرورية لهذا الأمر على كونها لغة أكبر دولة إسلامية،
واقترحوا عرضها على مؤتمر يعقد في مدينة أنقرة يكون مؤلفا من أعضاء مندوبين
من جميع الممالك الإسلامية، لكل مملكة منها عضوان.
هذا كل ما لخصته البرقيات من رسالة طنين، فوجب أن نبحث في هذه المسألة
بما يرشد إليه الإسلام ومصلحة المسلمين، والبحث فيها ذو وجوه:
(الأول) : إن هذا الاقتراح مصنوع، وصنعة غير متقن فيما يظهر، فقد
أراد الملفقون له في الآستانة أن يوهموا من يطلع عليه أن هذه الفكرة مما يشغل
جميع الشعوب الإسلامية من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وأنه يكاد يكون
بادئ ذي بدء رأيا إجماعيا لها لا يعوزه إلا أن يقرر في مؤتمر رسمي، وعندنا أن
فكرة سخيفة غير ممكنة كهذه الفكرة، لا يمكن أن توجد فجأة في شرق البلاد الإسلامية
وغربها، ولا يعقل أن تتمخض في جميع هذه الشعوب من غير أن يظهر لها أثر
ولا ينقل عنها خبر في جرائد هذه الممالك ثم تولد في إدارة جريدة طنين في الآستانة!
إذن هي مما يدرك كل ذي حجى أنه تدبير ملفق. وأن هذا الجنين ليس من نسل
العالم الإسلامي كله بل من نسل متعصبي الطورانية الذين لا يزالون يشتغلون
بتطهير [1] اللغة العثمانية من لغة القرآن العربية، ولا يعسر على هؤلاء أن يجدوا
في الآستانة خمسة وعشرين رجلا من أوشاب البلاد المختلفة يوقعون اقتراحا كهذا،
بل لو طلبوا بعده من يوقع لهم اقتراحا بأنه يجب على مسلمي الأرض كلها أن يتلقوا
أصول دينهم وفروعه بلغة واحدة يقرأ بها القرآن ويدرس بها السنة؛ لأنه أدعى إلى
وحدة التعليم وحدة تأثير الدين، وأن اللغة التركية هي الجديرة بالاختيار لذلك،
لوجدوا من هؤلاء وأمثالهم من يوقع لهم هذا الاقتراح، ولا يبعد أن يكون ممثل
مصر فيهم عمر رضا أفندي مراسل جريدة الأخبار الذي ينكر أن اللغة العربية هي
لغة دين الإسلام [2] وسيأتي بيان هذه المسألة بعد، وأن الاقتراح لا يمكن تنفيذه إلا
بها، وأنه حينئذ يكون من أعظم دعائم الإصلاح الإسلامي الديني والاجتماعي
والسياسي.
(الثاني) : إن كلمة (اللغة التركية) تطلق بحق على لغة أهل تركستان وهم
عشرات الملايين، وتطلق تجوزا على اللغة العثمانية التي قال إمام أدبائها (نامق
كمال بك) الشهير: إنها مؤلفة من أشهر لغات الشرق وهي العربية والفارسية
والتركية، وهذه اللغة لا يتقنها إلا المتعلمون في مكاتب الدولة العثمانية، وهم
يعدون بالألوف لا بالملايين، وأصحاب العصبية الطورانية منهم غير راضين عنها،
ويجمعون على وجوب إرجاعها إلى اللغة التركية الأصلية، ويقولون: إن فلاحي
الأناضول لا يفهمونها فضلا عن الترك الخلص في تركستان، وقد جاء صديقنا
السائح الشهير الشيخ سعيد العسل الطرابلسي بكتاب تهنئة بالدستور للدولة العثمانية
من كاشغر فلم يوجد في الباب العالي ولا في غيره من رجال الآستانة من فهم لغته
التركية المحضة، بل احتاجوا إلى ترجمته بمساعدة من جاء به، ولا تزال جمعية
(تورك أوجاغي) تشتغل بتنقيح اللغة العثمانية - لغة الآستانة وأنقرة - لإرجاعها
إلى التركية، على ما يدخل فيها كل حين من الألفاظ الإفرنجية، التي ربما تزيد
على ما يخرج منها من الألفاظ العربية، فهل فكرت في هذا شعوب الشرق والغرب
بل الخمسة والعشرون الذين ادعوا أو ادعي أنهم يتكلمون بلسانها؟ فإن كانوا فكروا،