تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرآن والسنة، وقد وضحنا هذه المسألة وبينا وجه الحاجة إليها في هذا العصر في

كتاب (الخلافة) فيراجع فيه.

وجملة القول أن إقامة دين الإسلام متوقفة على لغة كتابه المنزل، وسنة نبيه

المرسل، سواء في ذلك هدايته الروحية، ورابطته الاجتماعية، وحكومته العادلة

المدنية، وأن المسلمين لم يكونوا في عصر من العصور أحوج إلى الوحدة المفروضة

عليهم المتوقفة على هذه اللغة منهم في هذا العصر الذي تمزقوا فيه كل ممزق فأصبحوا

أكلة لمنهومي الاستعمار ومستعبدي الأمم والشعوب، وصدق فيهم قول النبي صلى

الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها

....

الحديث.

سيقول بعض الجاهلين لحقيقة الإسلام وكونه دينا روحانيا مدنيا سياسيا،

وبعض أولي العصبية الجنسية الجاهلية: إن مقتضى ما ذكرت أنه لا يمكن إقامة

دين الإسلام كما يجب إلا باللغة العربية؛ فلماذا لا يجوز على شعوب المسلمين ما

جاز على شعوب النصارى مثلا من ترجمة كتبهم المقدسة بلغاتهم المختلفة مع بقائهم

على دين النصرانية وملة المسيح عليه السلام؟

ونقول أولا: إن المسألة عندنا مسألة نقل واتباع لا مسألة رأي، وقد علمت أن

أئمتنا مجمعون على ما ذكرنا (وثانيا) إننا نحن المسلمين لا نعتقد أن النصارى

على ملة المسيح عليه السلام، ولا يصح أن نزيد على ذكر اعتقادنا هذا في صحيفة

عمومية. (وثالثا) إن ترجمة القرآن المعجز للبشر ترجمة تؤدي معانيه تأدية تامة

كما أنزلها الله تعالى ويبقى بها معجزا وآية - متعذرة، وقد بينا هذا بالإيضاح في

مجلتنا (المنار) ولا محل له هنا، وسنبين نموذجا من تخبط الأعاجم في مسألة

الخلافة في نقد الرسالة التركية التي ألفت فيها باسم (خلافت وحاكميت ملية) مع

أن مؤلفيها يعرفون العربية معرفة ما، ليتخذ هذا نموذجا لصفة إضاعة الدين بعدم

استمداده من لغته (ورابعا) إذا فرضنا أن ترجمة الكتاب والسنة لا تخل بفهم

أصول الدين وفروعه وتشريعه، أفلا تخل بما هو موضوع هذا المقال من وجوب

وحدتهم وتعارفهم وتعاونهم، وتوقف ذلك على لغة واحدة إذا لم تكن لغة جميع أفراد

شعوبهم فلتكن مما يتقنه طوائف رجال الدين ودعاة الوحدة والاتفاق منهم؟ بلى بلى.

حسبنا هذا البيان الوجيز للمسألة، ولا شك عندنا في أن كل من يؤمن بالله

تعالى وبما جاء به خاتم رسله إلى جميع خلقه محمد النبي العربي عليه أفضل

الصلاة والسلام، يتقبله بالرضاء والإذعان، وأنه لا يماري فيه ويتبرم به إلا

المنافقون الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فنقترح على الجرائد التركية والفارسية

والأفغانية ترجمته ونشره، والدعوة إلى إحياء اللغة العربية الدينية في شعوبهم،

وحثهم على تعلمها بقدر الاستطاعة، وتنظيم التعارف بها، وكأني بالخمسة

والعشرين وقد رجعوا عن اقتراحهم الأول إلى ما هو الأحسن بل الممكن بل الواجب:

{فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله

وأولئك هم أولوا الألباب} (الزمر: 17-18) .

-----------------

<span class="footnote">

(1) أنكر هذا في مقالة نشرها في مجلة الجامعة التي تصدر في الهند نقل فيها عنا أننا وصمنا الشريعة الإسلامية بوصفها بالعربية أي عبناها وحقرناها (!) وأسرف في إنكار هذا، وفي الطعن علينا والتهكم علينا به بما يستلزم رمينا بالارتداد عن الإسلام، على أنه أمر مجمع عليه بين المسلمين. وقد علل هذا بالتعصب الجنسي للعرب على الترك، وهو تعليل للباطل بالباطل؛ إذ نحن أعدى أعداء هذه العصبية ولم نرد على هذه المقالة لاعتقادنا أن صاحبها ممار بما لا يعتقد؛ ولأن بطلان قوله مما لا يجهله مسلم، على أننا سنبين أدلتنا على كون لغة الدين الإسلامي هي العربية في هذا البحث.

(2) ذكر الشافعي هذا البحث عقب إثباته لكون القرآن عربيا محضا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٥٧