تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بذلك.

***

خلاصة وجيزة في أصل موضوع هذه الفتوى

إن أصل الخلاف بيننا وبين أخينا الشيخ محمد شفيق الرحمن كان في مسألة

الطلاء المعروف الذي تطلى به جدران البيوت وخشبها فتكون صقيلة جميلة لا تؤثر

فيها الرطوبات والأقذار كما تؤثر في الأجسام ذات المسام الواسعة فتطول مدتها

نظيفة ويسهل تنظيف ما يصيبها من الوسخ. أفتى الأستاذ بنجاسة هذا الطلاء

وبتحريم طلي جدران المساجد وخشبها به معللا ذلك بأنه يعالج بالمادة المعروفة

بالسبيرتو وبالكحول، مدعيا أنها خمر، وأن كل خمر نجسة، وكل ما يدخل فيه

شيء من السبيرتو نجس وإن لم يكن شرابا ألبتة كطلاء البيوت، وقد سألنا بعض

إخواننا مسلمي الهند عن هذه الفتوى فأفتينا بأنها خطأ وأقمنا على ذلك من الدلائل ما

رآه القراء في الجزء التاسع من المجلد الثالث والعشرين.

وقد جاء بعد سنة أو أكثر يحاول إبطال بعض تلك الدلائل وإثبات فتواه من

وراء البحث في تحريم شرب الخمر والتداوي بها

…

فأرسل إلينا هذه المسائل

فرأينا بعد أن أجبنا عنها بالإيجاز أن نوضح الموضوع بخلاصة مختصرة مفيدة لمن

عقلها مفصلة، فنقول وبالله التوفيق:

(1) إن الله تعالى قد حرم الخمر لأنها مسكرة؛ ولأن للسكر مضار كثيرة

بين الكتاب أهمها إجمالا وتفصيلا. وإنما حرمها ألبتة في آخر مدة تبليغ الرسالة

ومهد لذلك تمهيدا بعد تمهيد لما كان من افتتان الناس بها، واقتضاء الحكمة التدريج

في تحريمها. ومن المقرر عند الفقهاء أن علة تحريمها إسكارها وأن السكر هو

المحرم لذاته، ولكن لما كان شرب القليل غير المسكر مدعاة لشرب الكثير وذريعة

له حرم القليل أيضا مطلقا على ما في هذا من الخلاف المعروف.

(2) لم يقم دليل صحيح على نجاسة الخمر، ولا على كون نجاستها سببا

لتحريمها، فإنها ليست من النجاسات والأقذار في عرف أهل لغة الشرع؛ بل كان

العرب يعدونها من الطيبات وكانوا يسمونها الطيبة (بالتخفيف) ويقولون في

أصفاها (طيبة الخمر) ولو كانت من النجاسات في عرفهم أو في عرف الشارع

لجعل ذلك أول وسائل التدريج في تحريمها بأن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل

تحريمها بأن يغسل كل عضو أو إناء أو ثوب تصيبه الخمر، ولم يرد أنه أمر بذلك

قبل التحريم ولا بعده، ولو أمر بذلك لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتر

والاستفاضة، وقد كانت الحاجة إليه شديدة عند نزول آية المائدة وإهراق المسلمين

لما كان عندهم من الخمر حتى كان تجري في شوارع المدينة كالسيل فكان الناس

عرضة لإصابة أبدانهم وثيابهم بشيء منها عند إهراقها، وفي أثناء السير في

الشوارع التي كانت تجري فيها.

(3) من المعلوم بالاختبار وبالنصوص أن من الناس من يميل بطبعه إلى

المبالغة والإفراط في الدين وفي غيره، ومنهم من يميل إلى الإغماص والتفريط

ومنهم من يميل إلى الاعتدال، ولكل من هذه الحالات الثلاث درجات، فالمبالغة في

اجتناب المحظورات تقتضي اجتناب المشتبهات تورعا واحتياطا وهذا محمود

ومندوب شرعا، وقد تفضي إلى اجتناب المباحات تحرجا وتأثما فتكون غلوا مذموما،

والإغماص فيها يدعو إلى الخوض في الشبهات، وقد ينتهي إلى الاحتيال على

ارتكاب المحرمات، أو تأويل النصوص الواضحات، أو معارضتها بالأقيسة

والتعليلات الباطلات، ويكثر هذا التفريط في حشوية المتفقهة الجامدين، وذاك

الغلو في المتصوفة الجاهلين.

والتحقيق أن كل حيلة تخالف نص كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله

عليه وسلم أو تفضي إلى فوات ما شرع له الحكم من مصلحة أو دفع مفسدة - فهي

باطلة، وكذا كل تأويل وقياس يخالف المتبادر من النصوص من غير حجة شرعية

أو ينافي غرض الشرع وحكمته. وأن المذهب الوسط الحق هو المحافظة على

النص، وما علم من قصد الشرع وحكمته منه جميعا، وهو في مسألة الخمر أن لا

نشرب شرابا مسكرا وأن لا نتوسل إلى السكر بالتداوي، ولا بالأخذ بظواهر فلسفة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٤٣