وهو أولى من كتاب حيوية الأوض بالمصادرة؛ لأن ما فيه من مخالفة عقائد
الإسلام قد يخفى على الجمهور، وما في كتاب حيوية الأرض من مخالفة أصل
التوحيد فهو لا يخفى على أحد من المسلمين.
وتلا هذا مقال نشره فريد أفندي في جريدة الجهاد وغيرها عنوانه (الإسلام
يدعو إلى الأخوة العالمية العامة، وإلى توحيد الأديان، وتحكيم العقل والعلم في
العقائد) وفي آرائه في ذلك ما ينافي الإسلام المعروف في كتاب الله وسنة رسوله،
وما أجمع عليه المسلمون من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وفريد
أفندي وجدي قد صرح وما زال يصرح أن الإسلام الذي جرى عليه المسلمون
ينقضه العقل وعلم هذا العصر، وأنه لا يمكن قبوله في هذا الزمان إلا بما يفسره
هو به، ثم صرح بأنه كشف شيئا جديدا في القرآن يمكنه الاستناد عليه في أساس
رأيه، وهو تحكيم العقل والعلم في العقائد الإسلامية بلا قيد ولا شرط، وهو الآيات
المتشابهات.
ومما بناه على هذا الأساس أن الآيات (المعجزات) التي أيد الله تعالى بها
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعذاب النار الموصوف في القرآن، كل ذلك
مخالف للعقل والعلم فلا يمكن الإيمان به (أي على ظاهره) وإن ما فهم هو به
المتشابهات والمحكمات يبيح لنا عدم الإيمان بذلك كله، كما تدل عليه آياته فهو من
المتشابهات إلخ، والمتشابه لا يمس العقائد القطعية، بل أنكر عليه عدة دعاوى
مخالفة لأصول الإسلام وعقائده هو يدعو إليها ويناضل عنها، مع علمه بأنه متبع
فيها لغير سبيل المؤمنين، فهذا هو الفرق بينه وبين مؤلف كتاب (حيوية الأرض)
الذي خالف عقيدة واحدة بشبهة فنية هو غير جازم بها، ويصرح بأنه مستعد
للرجوع عنها إذا تبين له خطؤه فيها، وسأنشر مقالا في تحقيق الحق في المتشابهات
يتبين به خطأ الإمام الرازي فيما نقل عنه فريد أفندي وجدي ولم يفهمه، لا رأيه
وحده [1] .
ثم أقول لصاحب هذا الكتاب أن شبهته هذه نظرية فنية هي لم تبلغ أن تكون
من ناحية الفن نفسه عقيدة قطعية لا يمكن نقضها، وبناء على هذا يصرح بأنه
مستعد للمناقشة فيها من ناحية الدين، كما أنه مستعد لذلك من ناحية الفن بالأولى،
فهم ظنية راجحة عنده يقابلها من قطعيات الدين ومن ظواهره الراجحة ما يبطلها
لهذا يجب عليه ترك ما استنتجه منها، وهو كون المركز الحيوي المدبر للأرض
هو إلهها أو إله أهلها، وحينئذ لا يضره في دينه اعتقاد أصل نظريته هذه. وإنني
أذكر له في هذا المقال المختصر عدة مسائل، أرجو أن تكون كافية لإقناعه بحقيقة
توحيد الإسلام.
(المسألة الأولى) إذا ثبت أن للأرض مركزا لتدبير كل ما فيها من نظام أو
حياة فهذا لا يقتضي أن يكون هذا المركز أو ما فيه من مصدر التدبير إلها يعبد؛ إذ
لا يمكن أن يكون هو الرب الخالق العليم القدير الفعال لما يريد الذي يدعى لكشف
الضر عمن يشاء وهبة النفع لمن يشاء كما أن دماغ الإنسان الذي هو مصدر النظام
الحيوي في شعوره ومداركه ليس ربا لجسده يستحق العبادة ويدعى لجلب النفع
وكشف الضر، وإنما رب الناس ملك الناس إله الناس هو الله الذي أثبت المؤلف
أنه رب الكون كله، وهذا هو اعتقاد الإسلام.
(المسألة الثانية) أنه قد ورد في نصوص الكتاب العزيز والأحاديث النبوية
أن الله تعالى قد وكل بالعالم ملائكة من عنده لتدبير أموره من السماء إلى الأرض
وقد اتفق مفسرو السلف على تفسير قوله تعالى: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ (النازعات:5)
بهذا النوع من الملائكة، وفي الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم ذكر أنواع منها كالملك الذي ينفخ الروح في الجنين عندما يتم تكوينه في
الرحم، والملائكة الذين يتعاقبون على الإنسان في تفسير قوله تعالى: {وإن
عليكم لحافظين * كراما كاتبين} (الانفطار: 10- 11) وفيها ذكر الملائكة
الذين ينزلون في السحاب، وملك الجبال، وملك الموت وملائكته وحملة عرش