تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنصب الجليل المهم فيؤلفوا بين النزعات ويوحدوا القلوب والغايات، ويظهروا

مزايا الدين وينشروا محاسنه ليجلبوا إليه الأنظار ويحببوه في عين الأجنبي،

لا أن يجعلوه واسطة للتنافر والتعادي ويظهروه بأسوأ مظهر وأخزى منظر، كي

ينفر منه البعيد الأجنبي الذي يمسي، وهو لا يعرف منه إلا أنه دين أحزاب

وخراب، وتنافر وبغضاء وشقاء، على لسان من يدعون الزعامة الدينية في

الجرائد والمجلات؟

أليس كذلك أيها القارئ؟ أليس إن مجلاتنا وصحفنا نراها طافحة بالسباب

وشتم بعضنا بعضا؟ وما كفانا ذلك حتى أخذنا نتحرش ونتجاسر حتى على أولئك

المقبورين المدفونين منذ ألف وثلاثمائة سنة، ألسنا وقد خصصنا أوقاتنا وأوقفنا

أقلامنا، وبذلنا دراهمنا، وأشغلنا مطابعنا، وأنهكنا أفكارنا وأدمغتنا، وسهرنا

الليالي والأيام، لنخلق لنا هذه المشاكل المذهبية ولنجعل لنا عقبة لن تذلل؟ ألسنا

ونحن أصبحنا بفضل هذه كلها في مؤخرة العالم والمجتمع وعبيدا للأجانب يفترس

بعضنا الآخر، وكل ذلك في مصلحة الأجنبي الغربي.

أليس نظرة واحدة إلى ماضينا المجيد حين كنا تحت راية واحدة، وقد ملكنا

زمام أكثر العالم، وركزنا تلك الراية في قلب الغرب - تكفينا وتدلنا على الفرق بين

ذلك الزمن والزمن الذي ابتدأت فيه نار الفتن الطائفية والنزعات المذهبية، وما

وصلنا إليه اليوم من حالة لا يرجى لها خير؟ أليس السبب في ذاك كله هو التخاذل

والتباغض باسم السلف الصالح والإسلام، وحاشا للإسلام أن تكون هذه مبادئه، بل

حاشا للسلف الصالح أن يرضى هذه الأساليب والمبتكرات، حاشا ثم حاشا،

أوليس دين الإسلام هو دين التآخي والتآلف؟ دين الوحدة والوئام.

أباسم عمر وعلي نطعن هذا الدين في الصميم؟ أباسمهما نمزق أوصال هذا

الدين ونشتت شمله؟ ونثلم وحدته ونضيمه؟ حاشاهما أن يعذراكم يا قوم، وأن

يرضيا هذه الأفعال والأعمال، وباسمهما تتفرقون وتتشتتون؟ فاتقوا الله يا قوم

فيهما.

هلموا يا قوم وأمعنوا نظركم، وتتبعوا التواريخ؛ فإنكم تجدون السبب كله في

هذا التطاحن المذهبي هو تداخل الأجانب في أمورنا الدينية، وتشبثهم باسم الدين

في تفريقنا وتباغضنا، والعار كل العار أن نكون وفق مشيئتهم وتحت إرادتهم،

وأن نستسلم مذعنين لما يفرضونه علينا من التنابذ والتعادي.

والأسف كل الأسف أن تلعب بنا الأهواء والنزعات، وتقودنا فئة ذات أطماع

وأغراض باسم الدين والإسلام إلى المهاوي والهلكات، وهم بعيدون كل البعد - لو

تحققنا - عن الإسلام ومبادئه، مأجورون بدعايتهم هذه ومستخدمون بمبادئهم تلك.

في هذا اليوم وقد أخذ الكل يشعر بالحاجة إلى التآلف وتوحيد الصفوف أمام

الاستعمار وسيله الجارف - في هذا اليوم الذي نئن فيه من انشقاقنا وانخذالنا - في

هذا اليوم الذي سهل على العدو أن يمص آخر قطرة من دمائنا وينخر عظامنا،

يظهر لنا حضرة السيد عبد الحسين نور الدين العاملي في النبطية بمقاله المشهور

في المنار الجزء الأول من المجلد الثاني والثلاثين سنة 1350 مناظرا فيه حضرة

الأستاذ صاحب المنار السيد محمد رشيد رضا يمثل الشيعة ويعبر عنهم في ذلك

المقال المزيف المملوء خطأ وركة، والذي ينكره عليه الشيعة أنفسهم، والذي

اعتبره حضرته أساسا للصلح، وفاتحة لعقد التفاهم والمودة ما بين أهل السنة

والشيعة.

وقد كنت أنتظر من إخواني الشيعة في العراق وسورية أن يسارعوا في

احتجاجهم واستنكارهم على هذا الرجل المدعي، وأن يعجلوا في كم فمه والضرب

على يده، كي لا يعود لمثله أبدا، ولا زلت أنتظر من الشيعة في القطرين الشقيقين

أن يعلنوا استنكارهم من هذه الفئة المتعجرفة وبراءتهم من هذا الحزب المتعصب

المأجور، الذي جرهم إلى الهلاك والتدهور، وأن لا يتماهل المصلحون الذين أعهد

فيهم الحرص على سمعة الإسلام في تدارك ما جاء على لسان هذا الرجل،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٨٨