وها هي ميسون بنت بحدل الكلبيّة أم يزيد بن معاوية تنفر من قصور معاوية بن أبي سفيان ومن مظاهر الأبّهة فيها، وتحنّ إلى مسقط رأسها في البادية، وتنشد قائلة:
لبيت تخفق الأرواح فيه أحبّ إليّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقرّ عيني أحبّ إليّ من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي أحبّ إليّ من أكل الرغيف
وكلب ينبح الطراق دوني أحبّ إليّ من قط ألوف
وأصوات الرياح بكل فجّ أحبّ إليّ من نقر الدفوف
وخرق من بني عمي نحيف أحبّ إليّ من علج عليف
خشونة عيشتي في البدو أشهى إلى نفسي من العيش الظريف
فلما سمع معاوية الأبيات قال لها: ما رضيت ـ يا ابنة بحدل ـ حتى جعلتني علجًا عليفاً، وقال لها: كنت فبنت، فقالت: لا والله، ما سررنا إذا كنا، ولا أسفنا إذا بنّا.
*****************
وقال آخر:-
رغيف خبز يابس تأكله في عافية
وكوز ماء بارد تشربه من صافية
وغرفة ضيقة نفسك فيها راضية
ومصحف تدرسه مستندًا لسارية
*****************
وقال آخر:
يا جامعاً مانعاً والدهر يرمقه مقدراً أي باب منه يغلقه
مفكراً كيف تأتيه منيته أغادياً أم بها يسرى فتطرقه
جمعت مالاً فقل لي هل جمعت له يا جامع المال أياماً تفرقه
المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه
أرفه ببال فتى يغدو على ثقة أن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون ما يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتها لم يبق في ظلها هم يؤرقه
*****************