تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قدوم العصبة في ذلك الوقت فجازاهم بعد ذلك بالجزاء الذي يستحقون.

هذا هو الحادث كما هو بغير زيادة أو نقصان، فهل يرى ذو الحجى والعقل

بأن على جلالة الملك أو على جنده تبعة شيء من ذلك الحادث بعد ما كان من نهي

أمير أبها لهم عن المسير، وبعد أن كان من الجند من منعهم عن التقدم وعصيانهم

للفريقين؟ ثم لم يكن من الإمام يحيى طلب سابق يطلب الرخصة لهم، فهل هناك

عرف دولي يقضي بمسؤولية حكومتنا في ذلك؟ إنا نترك الحكم في ذلك لعلماء

الإسلام كما نتركه لعلماء الحقوق من الباحثين.

(4) ذكر سيادته أنه (قد علم من تحت أديم السماء ما كان من فصل قطعة

من اليمن الميمون عن أمها اليمن الخضراء مع علم كل ذوي العقول أن قطعتي

عسير وما يليها، وجيزان وما يليها من اليمن جغرافية ونسبا) إلى آخر ما ذكر

سيادته في هذا الباب.

إن هذه القضية قضية اليمن لليمانيين، وكلمة الوحدة اليمانية، وأن عسير من

اليمن وجيزان من اليمن، وأكثر من هذا سمعناه قبل اليوم، وكنا نعرض عن

البحث فيه؛ لاعتقادنا أن هذه دعوى لا يتمسك بها ذو دين، ولا من يفهم معنى

القوميات في العصر الحاضر، كما أنه لا يوجد دليل ديني ولا تاريخي يعطي

لصنعاء ومن فيها حق التحكم في كل ما تدعي به من اليمن.

أما الدين فإن الإسلام قد آخى بين المسلمين ولم يسمح بجعل الفروق القبيلية

أساسا للحكم والسلطان، وكل من اطلع على الحديث يرى الأحاديث الكثيرة في نفي

العصبية في الإسلام.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الأقوال في ذلك مما لم يرو

له صلى الله عليه وسلم لفظ مثله في نهي أو زجر حفظا لجامعة الإسلام، فقد روى

صاحب مشكاة المصابيح في باب المفاخرة والعصبية عن أبي بن كعب قال: سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه) إلى

آخره، رواه في شرح السنة، وقد شرح الحديث بما لا نرى في هذه العجالة مناسبة

لإيراد ما ذكره في ذلك الشرح، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم دخل

اليمن في الإسلام أرسل معاذا رضي الله عنه من مكة ليعلم أهلها الإسلام فلم يجعل

صلى الله عليه وسلم لليمن قومية خاصة، ولا كيانا خاصا، ولا مزية خاصة،

وإنما هي بلد من بلاد العرب دخلت في الإسلام فكانت جزءا من أجزاء بلاد الإسلام

الذي لا فضل لعربي على عجمي فيه إلا بالتقوى، فكل دعوى في الإسلام إلى

العصبية باطلة ساقطة، الإسلام دين واحد، والمسلمون أمة واحدة، والعرب

بعضهم أكفاء لبعض إلا ظنينا بولاء أو نسب.

ومما نذكره بهذه المناسبة مع شكر الله وحمده ما قام به جلالة الملك حفظه الله

تعالى في الجزيرة العربية من إبطال العصبيات القبيلية ومنع الغارات والشحناء بين

العرب في سائر ما امتد إليه حكمه في دياره، فقد كانت القبائل يتحامى بعضها على

بعض، كل يدعو قبيله ونفيره ويستعديه على أخيه، فدعاهم لتوحيد الله ونبذ ما

كانوا عليه من الشرك والضلال، فانقادوا لذلك طوعا أو كرها، وجعل منهم أمة

واحدة لا تشعر بغير الشعور الإسلامي، ولا تعرف غير الإسلام مذهبا دينيا

وسياسيا، ولا تتخلق بغير أخلاق العرب التي أقرها الإسلام، فالحمد لله على نعمه،

ونسأله المزيد من فضله وكرمه.

أما دعوى الوحدات الجزئية من الأمة الواحدة فقد انتشرت هذه الفكرة ويا

للأسف عن طريق مدارس التبشير المسيحية في مصر وسوريا ليفسدوا على

المسلمين عقائدهم الدينية، وعلى العرب جامعتهم العربية السياسية، فألقوا في

أذهان الأطفال ألفاظا طربت لها آذانهم صغارا، وأثرت في نفوسهم كبارا، فظنوا

أن ذلك طريق العزة لهم والمنعة، وما علموا أن ذلك سبب لضعفهم وتفكيك

لأوصالهم، قالوا لهم نكاية بالترك والسوريين يومئذ: مصر للمصريين، ثم صاروا

يقولون: سوريا للسوريين، والعراق والحجاز للحجازيين ونجد للنجديين، واليمن

لليمانيين، ثم زادوا هذا الخرق اتساعا في سوريا خاصة، فقالوا: فلسطين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٢٧