تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحريت فيها الحق والصدق، والتجرد من هوى النفس، ولو كانت وقعت مع

غيري لدونتها بهذا الأسلوب عينه، بل ربما كنت أزيدها تفصيلا وتنويها أستحي

كتابة مثله في شيء يعنيني ويخصني؛ ولكن لا يجوز لي أن أهضم حق نفسي

وحق الأستاذ في المسألة بعد وفاة الشيخين ودخولهما في حكم التاريخ، وقد دون

سلفنا الصالح من المحدثين والمؤرخين من هفوات شيوخهم من الأئمة وكذا الصحابة

ما هو أعظم من هفوة الشيخ عبد الكريم هذه.

ذلك بأن المسألة من أظهر الحوادث الواقعة التي تدل على أن الأستاذ الإمام

كان يؤثر المصلحة العامة على العلاقات الخاصة بألصق إخوانه وأصدقائه به

وأقربهم إليه، على ما اشتهر به من كمال الوفاء وصدق الوداد، وأن الإصلاح

الإسلامي الذي انفردت بالاشتغال معه به في خاتمة عمره الشريفة كان عنده فوق

كل شيء من أمور الدين والدنيا؛ لأنه قد رسخ في وجدانه أنه مفروض عليه يثاب

على العمل له فوق كل ثواب، ويعاقب على التفريط فيه ما لا يعاقب على غيره،

وقد أثبت في استيائه من الشيخ عبد الكريم وإنذاره إياه استغناءه عن صحبة أربعين

سنة مكانة الشيخ عبد الكريم عنده.

دعابة الشيخ عبد الكريم سلمان وعلمه:

ذلك ولا أرى وصف الشيخ عبد الكريم بحب الدعابة والفكاهة الأدبية غميزة

وإزراء، وهو مشهور بهذا، وقد وصف بالدعابة في كتب التاريخ والأدب أفراد من

أرقى البشر كأمير المؤمنين علي، وأين مثل أمير المؤمنين علي عليه السلام؟

وإني على ما في من حفيظة - كما قال الأمير - لا أحمل على أحد حقدا، ولا

أبخس أحدا حقا، وإني قد أغضيت على فتور حرارة الشيخ عبد الكريم في مودتي

عدد سنين، فكنت على إبائي أزوره كثيرا ولا يزورني على ما أعلم من عنايته

بزيارة جميع أصدقائه، فلم يشعر أحد بشيء من هذا الفتور من قبلي بقول ولا فعل،

والأمير ينقل عنه أنه قال له عني: إنني أصفيت له المودة بعض وفاة الشيخ اه.

وأنا قد صرحت بهذا في التاريخ، وقلت: إنه صار يزورني ويأكل طعامي كما آكل

طعامه، ويسألني عن أولادي. وهذه شهادة عليه - عفا الله عنه - بأنه لم يكن موادا

لي كموادتي له، ولا كموادته لأدنى أصحاب الأستاذ الإمام وصنائعه حتى صنائع

التملق وطلاب المصالح، وهو يرى أن الأستاذ اصطفاني على الجميع؛ ولكن هذه

هي العلة في مماذقته لي على وغر كما كنت أعتقد، لا ما قاله الأستاذ من أنه كان

يظن أنني لا أعتقد أنه عالم، إذ لو كان هذا هو السبب لما صفا لي وده بعد وفاته

رحمهما الله تعالى؛ فإنني إذا كنت أعتقد في عهد الأستاذ الإمام أنه غير عالم فلا

يعقل أن يزول هذا الاعتقاد بعد وفاته، فقول الأمير عني: (ولولا هذا لوفر له

حقه غير منقوص) مبني على رأي الأستاذ وعلى عدم قراءته هو كل ما كتبته في

حقه، فأنا أعتقد أنني وفيته حقه في هذا التاريخ لم أنقصه منه شيئا يقتضي المقام

ذكره ويعد من موضوعه، بل ربما كنت قد زدته على حقه في المنار.

ولعل سبب ظن الأستاذ فيه وفي ما ذكر أن الشيخ عبد الكريم ما كان يشاركنا

في المذاكرات العلمية الدقيقة التي تقع بيننا وهو معنا كمشاركته لنا في المباحث

العلمية من إصلاحية ووطنية، وإنني لا أنكر أنني ما كنت أعتقد أنه متقن لعلم من

العلوم؛ لأنه وجه كل عنايته إلى الكتابة؛ ولكنني لم أكن أنطق بما يدل على

اعتقادي هذا تصريحا ولا تلويحا، إلا ما استثنيت في التاريخ من تمثلي في إثر

انتقادات لغوية وأدبية معه بقول السموأل:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول

* * *

فكاهة الأمير شكيب ونوادره:

بقي علي ما يخص الأمير - حفظه الله - من مودة الشيخ عبد الكريم رحمه

الله؛ فإنني أراه فهم منه ما لم يخطر لي على بال، وما لا أراه يخطر على بال أحد

من الناس، هو أن الشيخ عبد الكريم - رحمه الله تعالى - لم يجد فيه، أو لم يعرف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٨٣