9.24
قوله عز وجل: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ﴾؛ أي قل يا محمد للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم وقراباتكم، ﴿ وأموال اقترفتموها ﴾؛ اكتسبتموها بمكة وأصبتموها، ﴿ وتجارة تخشون كسادها ﴾؛ أي عدم نفاقها إذا اشتغلتم بطاعة الله، ﴿ ومساكن ترضونهآ ﴾؛ ومنازل تعجبكم الإقامة بها بمكة، ﴿ أحب إليكم من ﴾؛ طاعة، ﴿ الله ورسوله ﴾؛ بالهجرة إلى المدينة، ﴿ وجهاد في سبيله ﴾ ، وأحب إليكم من الجهاد في طاعة الله، ﴿ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ ، أي فانتظروا حتى يأتي الله بفتح مكة، ويقال: حتى يأتي الله بعذاب عاجل أو آجل، ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾؛ أي لا يرشد الخارجين عن طاعته إلى معصيته، ولا يهديهم إلى جنته وثوابه.
9.25
قوله تعالى: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ﴾؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة بعد ما فتحها، وكان انفتاحها في بقية أيام رمضان، فمكث بها حتى دخل شوال متوجها إلى حنين، وبعث رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبدالله بن أبي حدرد، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلا أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، وكنانة بن عبد ياليل على ثقيف، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إليهم في عشرة آلاف رجل، كذا قال الكلبي.
وقال مقاتل: (كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة)، وقال قتادة:
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وألفين من الطلقاء، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة: يا رسول الله لا نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته وابتلى الله المسلمين بذلك، فلما التقوا حمل العدو عليهم حملة واحد، فلم يقوموا لهم حلب الشاة أن انكشفوا وتبعهم القوم في أدبارهم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به، والعباس أخذ بالثغر، وحول رسول الله يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل من المسلمين وانهزم سائر المسلمين عنه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار لا يأل، وكانت بغلته شهباء وهو ينادي: " يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار إلي، أين أصحاب الصفة " أي أصحاب سورة البقرة.
وكان العباس ينادي: يا معشر المهاجرين، أين الذين بايعوا تحت الشجرة، يا معشر الذين آووا ونصروا، هلموا فإن هذا رسول الله. وكان العباس صيتا جهوري الصوت، يروي أنه من شدة صوته أنه أغير يوما على مكة فنادى واصبحاه، فأسقطت كل حامل سمعت صوته.
فلما صاح بالمسلمين عطفوا حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها، وقال: لبيك لبيك، وجاؤا عنقا واحدا لنصر دين الله، وأقبل المشركون ليطفؤا نور الله، فأنزل الله تعالى من السماء جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وأظهر المسلمين عليهم، وحمي الوطيس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يتطاول إلى قتالهم، ثم أخذ كفا من الحصى فرماهم به وقال: " شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة " فوالله ما زال أمرهم مدبرا وجدهم كليلا، وهرب حينئذ آمرهم مالك بن عوف ".
وقال أبي اسحاق:
" قلت للبراء: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى المسلمون معهم موليا؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو، ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبرا قط، ولقد رأيته على بغلته البيضاء يركض نحو الكفار وهو يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ثم قال للعباس: " ناد يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين " فعطف المسلمون عليه مسرعين، فأنزل الله جنده ونصر عبده وهزم المشركين ونصر المسلمين ".