تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال سعيد بن جبير: (أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف ملك)، وقال الحسن ومجاهد: (كانوا ثمانية آلاف)، قال قتادة: (كانوا ستة عشر ألفا)، وقال سعيد بن جبير:

" حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا نحن وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يقف لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - يعني - النبي صلى الله عليه وسلم تلقانا رجال بيض الثياب حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت اياها "

يعني الملائكة.

وروي أن الملائكة قاتلت يومئذ، في الخبر: أن رجلا من بني نضر بن معاوية قال للمؤمنين وهو في أيديهم: أين الخيل البلق؟ والرجال عليهم الثياب البيض؟ ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " تلك الملائكة ".

قال:

" فلما هرب أمير المشركين مالك بن عوف انهزم المشركون وولوا مدبرين، وانطلق المسلمون حتى أتوا أوطاسا بها عيال المشركين وأموالهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين رجلا من الأشعريين أمره عليهم يقال له أبو عامر، فسار معهم إلى أوطاس فقاتل أهلها حتى هزمهم الله وسبى المسلمون عيال المشركين، وهرب مالك ابن عوف حتى أتى إلى الطائف فتحصن بها، وأخذ ماله وأهله في من أخذ، وقتل أبو عامر رضي الله عنه. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحل فيه القتال، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة فأحرم منها بعمرة، وقسم بها السبي والمال وغنائم حنين وأوطاس.

وتألف أناس منهم أبو سفيان بن حرب، وسهل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم وجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقال طائفة من الأنصار: من الرجل وآثر قومه بالعجب، إن أسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال: " يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم؟ " فقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا يكذبون، فقال: " ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم أذلة فأعزكم الله بي؟ وكنتم وكنتم؟ ".

فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلم يا رسول الله؟ قال: " تكلم " قال: أما قولك " كنتم ضلالا فهداكم الله بي " بحق كنا كذلك، وأما قولك: " كنتم أذلة فأعزكم الله بي " فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا، فقال عمر: يا سعد أتدري من تكلم؟ قال: نعم يا عمر أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا وسلكت الناس واديا لسلكت وادي الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " ثم قال: " يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالشاة والإبل وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى رضينا يا رسول الله، والله ما قلنا ذلك إلا محبة لله ولرسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم ". فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: " أما خطيب الأنصار؛ ولو قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت خائفا فآمناك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت وكنت، لكان قد صدق " فبكت الأنصار "

، وكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن أفتتح عامة الشام.

قوله تعالى: ﴿ في مواطن كثيرة ﴾ أي لقد أعانكم الله على أعدائكم في مواضع كثيرة من قتال بدر وحرب بني قريظة والنضير وحنين وفتح مكة. قوله: ﴿ ويوم حنين ﴾ أي وأعانكم يوم حنين، وحنين: اسم واد بين مكة والطائف، وأضيف اليوم إلى حنين لوقوع الحرب يومئذ بها.

وقوله تعالى: ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ إذ سرتكم، والإعجاب هو السرور والتعجب، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا ولا دفعت عنكم سوءا. قوله تعالى: ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾؛ أي ضاقت عليكم الأرض مع سعتها من خوف العدو، فلم تجدوا موضعا للفرار إليه. قوله تعالى: ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾؛ أي أعرضتم منهزمين لا تلوون على أحد. والإدبار الذهاب إلى الخلف.

التفسير الكبير · الصفحة ٧٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٧٧٩