9.101
قوله تعالى: ﴿ وممن حولكم من الأعراب منفقون ﴾؛ أي ومن حول مدينتكم من الأعراب منافقون، قيل: إنهم مزينة وجهينة. وقوله تعالى: ﴿ ومن أهل المدينة ﴾؛ أي ومن أهل مدينتكم منافقون. قوله تعالى: ﴿ مردوا على النفاق ﴾ أي أقاموا وثبتوا على النفاق، ﴿ لا تعلمهم ﴾؛ يا محمد بأعيانهم، ﴿ نحن نعلمهم ﴾؛ ونعلم نفاقهم، ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾؛ أراد العذاب الأول الفضيحة والإخراج من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر.
روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم الجمعة، فقال: " يا فلان أخرج فإنك منافق، يا فلان أخرج فإنك منافق " فأخرجهم بأسمائهم. وكان عمر رضي الله عنه لم يشهد الجمعة لحاجة له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ عنهم استحياء؛ لأنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبؤا هم عن عمر رضي الله عنه وظنوا أن قد علم بأمرهم. فدخل عمر المسجد وإذا هو بالناس لم يصلوا، فقال له رجل: يا عمر قد فضح الله المنافقين ".
وقال الحسن: (أراد بالعذاب الأول السبي والقتل، وبالثاني عذاب القبر)، وقوله تعالى: ﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾؛ أراد به عذاب جهنم.
9.102-103
قوله تعالى: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴾؛ أي في المدينة قوم آخرون أقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا بعمل سيء؛ أي تخلفوا عن الغزو ثم تابوا، ويقال: خرجوا إلى الجهاد مرة وتخلفوا مرة، فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيء، كما يقال: خلط الدنانير والدراهم؛ أي جمعها، وخلط الماء واللبن؛ أي أحدهما بالآخر.
وقوله تعالى: ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾؛ أي يتجاوز عنهم، ﴿ إن الله غفور ﴾؛ لما سلف من ذنوبهم ﴿ رحيم ﴾؛ بهم إذ قبل توبتهم. وإنما ذكر لفظ (عسى)؛ ليكون الإنسان بين الطمع والإشفاق، فيكون أبعد من الاتكال والإهمال.
قال ابن عباس:
" نزلت هذه الآية في لبابة بن المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة ابن حذام وغيرهم، وكانوا عشرة أنفس، تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما بلغهم ما أنزل الله عن المتخلفين ندموا على صنيعهم، فربط سبعة منهم أنفسهم على سواري المسجد، وأقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحلهم، وكانوا لا يخرجون إلا لحاجة لا بد لهم منها.
وكانوا على ذلك حتى قدم صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبر بأمرهم، فقال: صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا أحلهم حتى أؤمر بهم " فنزلت هذه الآية فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن (عسى) من الله واجبة، وأمر بحلهم وانطلقوا إليه، وقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أمرت فيها بشيء "
فأنزل الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾؛ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله: ﴿ خذ من أموالهم ﴾ أي المذكورين، وقيل: وهم الذين اعترفوا بذنوبهم، إلا أن كل حكم حكم الله ورسوله في شخص من عباده، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلا ما قام دليل التخصيص به.
وقيل: قوله تعالى: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدم ذكر المسلمين كقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] يعني القرآن. ومعنى الآية: تطهرهم عن الذنوب وتزكيهم بها؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل: معناه: تطهرهم أنت بها من دنس الذنوب.
قوله تعالى: ﴿ وصل عليهم ﴾؛ أي استغفر لهم وادع لهم، ﴿ إن صلوتك سكن ﴾؛ أي إن دعاءك واستغفارك طمأنينة، ﴿ لهم ﴾؛ في أن الله يقبل توبتهم، ﴿ والله سميع ﴾؛ بمقالتهم، ﴿ عليم ﴾؛ بنياتهم وثوابهم.