9.83
قوله تعالى: ﴿ فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ﴾؛ معناه: إن رجعك الله من تبوك، إلى طائفة من المنافقين بالمدينة فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى فقل: لن تخرجوا معي أبدا إلى الجهاد، ولن تقاتلوا معي عدوا، ﴿ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ﴾؛ أي في غزوة تبوك، ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾؛ أي مع النساء والصبيان، هذا قول الحسن.
والخالف الذي يبقى بعد الشاخص، وقيل: هو الذي يبقى لنقص يكون فيه. وعن ابن عباس أن معنى الخالفين: (المتخلفين بغير عذر)، وقيل: إن هذا مأخوذ من قولهم خلف اللبن إذا فسد، والخالف الفاسد، وقيل الخالفون خساس الناس وأدنياؤهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، وقيل: مع الخالفين أي أهل الفساد من قولهم ينبذ خالف أي فاسد، وخلف اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فم الصائم إذا تغيرت رائحته. وقرأ مالك بن دينار (مع الخلفين) بغير ألف، وقال الفراء: يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفا.
9.84
قوله تعالى: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ﴾؛ أي لا تصل على أحد مات من المنافقين أبدا، ولا تقم على قبر أحد منهم لتدفنه وتدعو له، ﴿ إنهم كفروا بالله ورسوله ﴾؛ وجحدوا بالله ورسوله بقلوبهم، وماتوا على الكفر والنفاق، وقال ابن عباس:
" لما مرض عبدالله بن أبي سلول بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيه فلما دخل عليه طلب منه أن يصلي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن يكفنه في قميصه الذي يلي جلده، فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات عبدالله انطلق ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى جنازة أبيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما اسمك؟ " قال: الحباب بن عبدالله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت عبدالله بن عبدالله، إن الحباب هو الشيطان ".
ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فلما قام صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا وكذا؟! فقال: " دعني يا عمر " فعاد عمر لمقالته، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعني يا عمر " فعاد لمقالته الثالثة فقال: " قد خيرت في ذلك، ولو علمت أني إذا استغفرت له أكثر من سبعين مرة غفر له لفعلت " وقال: " تأخر عني يا عمر " قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾ "
يعني بعد ما صليت على عبدالله بن أبي.
وروي
" أن عبدالله بن أبي لما حضرته الوفاة بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أحد ثوبيه يكفن فيه، فبعث إليه بأحدهما، فقال: ما أريد إلا الذي يلي جلدك من ثيابك، فوجه إليه بذلك، فقيل له في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن قميصي لن يغني عنك من الله شيئا، وعسى أن يسلم بسبب هذا القميص خلق كثير " "
فأسلم ألف من الخوارج! لما رأوه يطلب الاستشفاع بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: (الله أعلم أي صلاة كانت تلك وما خادع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانا قط)، وقال مقاتل: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يصلي على عبدالله بن أبي، جاء إليه ابنه فقال: أنشدك بالله أن لا تشمت بي الأعداء، وكان ابنه مؤمنا حقا فأنزل الله هذه الآية، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه، فقال: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ﴾.
قوله تعالى: ﴿ وماتوا وهم فاسقون ﴾؛ أي ماتوا على الكفر والنفاق، فلما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض،